تحمل عائلة قرمان اسماً عريقاً ارتبط بمدينتين فلسطينيتين كبيرتين: نابلس التي منها الجذور، وحيفا التي فيها ازدهرت وتوسّعت قبل أن تتشتّت مع نكبة عام 1948. واسم العائلة نفسه محفور في جغرافيا نابلس، إذ يحمل أحد أحياء المدينة القديمة اسم "محلة القرمان" حتى اليوم، وهو ما يدلّ على عمق حضور هذه الحمولة فيها منذ زمن بعيد.
الجذر والأفرع
أوضح خيط نسبٍ استطعنا تتبّعه بدقّة يعود إلى جدٍّ اسمه درويش قرمان، تزوّج من وسيلة بنت الحاج أحمد شامي. توثّق لنا حتى الآن عدد من أبنائه وبناته، أبرزهم من الذكور: الحاج محمد طاهر قرمان، وعبد الرؤوف قرمان، وعارف قرمان. انتقل هؤلاء الإخوة من نابلس إلى حيفا في أواخر العهد العثماني وأوائل الانتداب البريطاني، حيث بنوا معاً واحدة من أبرز العائلات التجارية والصناعية العربية في المدينة.
وإلى جانب هذا الفرع، تكشف الوثائق التاريخية عن فرعين آخرين يحملان اسم العائلة نفسه، واستقرّا هما أيضاً في حيفا قادمَين من نابلس، وقد لا تكون قائمة أبنائهما المذكورة أدناه كاملة:
● فرع سبع قرمان، الذي أدار إلى جانب طاهر شركة الدخان العائلية الكبرى، وتشير عدة قرائن قوية (كزواج ابنه من ابنة عبد الرؤوف، واستضافة طاهر لحفل الزفاف في بيته) إلى أنه كان قريباً مباشراً لفرع درويش قرمان، وإن لم يُحسم بعد إن كان أخاً لهم بالتحديد.
● فرع محمد بن شحادة قرمان، وزوجته آمنة فياض قرمان، الذي يُوثَّق له حتى الآن خمسة من الأبناء (شحادة، وعمر، ومصطفى، وعلي، وناجي)، امتدت ذرية من عُرِف منهم لاحقاً بين حيفا ولبنان وأوروبا ودول الخليج.
كما ظهرت في الوثائق أسماء أفراد وعائلات أخرى تحمل اسم قرمان (كعائلة نمر قرمان، وشاكر قرمان) يُرجَّح انتماؤها إلى نفس الحمولة النابلسية الكبرى، دون أن يتيسّر بعد ربطها بنسب مباشر مؤكَّد بأحد الفروع الثلاثة.
ازدهار حيفا
بلغت العائلة أوج ازدهارها الاقتصادي في حيفا بين عشرينيات وأربعينيات القرن الماضي. وبرز الحاج محمد طاهر قرمان تحديداً كواحد من أبرز رجال الأعمال العرب في فلسطين، بعدما بدأ حياته من الفقر بائعاً متجولاً وجمّالاً في خدمة الجيش العثماني. أسّس مع شريكيه ديك وسلطي أكبر شركة دخان وسجائر في فلسطين، "قرمان – ديك – سلطي"، التي كانت تشغّل مئات العمال وتشتري محصول الدخان من مزارعين عرب في أنحاء البلاد، ولا يزال مبنى مصنعها الضخم قائماً في حيفا حتى اليوم كأثر تاريخي.
وإلى جانب صناعة الدخان، امتلكت العائلة مطحنة قمح حديثة، ومعاصر للزيت والسمسم والخروب، ومصنعاً للحلاوة، ومزرعة نموذجية كبيرة في قرية إبطن شرق حيفا ضمّت آلاف الدونمات وأول قطيع أبقار حلوب حديث في المنطقة. وتولّى محمد طاهر قرمان منصب نائب رئيس بلدية حيفا لسنوات، وأسهم في تأسيس الغرفة التجارية في المدينة، وانخرط في العمل الوطني والخيري، من عصبة حماية اللاجئين العرب إلى دعم قضايا التعويض عن الأملاك المنهوبة.
النكبة وما بعدها
غيّرت نكبة عام 1948 مسار العائلة كما غيّرت مسار الشعب الفلسطيني كله. فقدت العائلة أغلب أملاكها التجارية والعقارية في حيفا، وانتقل من تبقّى منها في الداخل الفلسطيني إلى قرية إبطن، حيث استمرت المزرعة العائلية بالعمل على نطاق أضيق، بل واستضافت لفترة عائلات فلسطينية أخرى فقدت بيوتها في مدن وقرى مجاورة. أما من هُجّر خارج فلسطين، فتوزّع أغلبهم بين لبنان (بيروت وصور والمزرعة) والأردن ودول عربية أخرى.
ومن أبرز محطات العائلة بعد النكبة قصة عبد الرحيم "عابد" قرمان، ابن عبد الرؤوف، الذي اعتُقل عام 1970 بتهمة العمل لصالح المخابرات المصرية، وأُفرج عنه لاحقاً ضمن صفقة تبادل أسرى بعد حرب 1973، وأُعيد تجسيد قصته لاحقاً في مسلسل تلفزيوني سوري.
العائلة اليوم
لا تزال عائلة قرمان حاضرة بقوة في الداخل الفلسطيني، خصوصاً في قرية إبطن وحيفا وشفا عمرو، حيث تعيش أجيال لاحقة من نسل محمد طاهر وعبد الرؤوف وعارف. وفي الشتات، يعيش نسل عدد كبير من أفراد العائلة، خصوصاً من فرعي عارف ومحمد بن شحادة، في لبنان كلاجئين منذ عام 1948. كما امتدت ذرية العائلة لاحقاً إلى الأردن ومصر وأمريكا الشمالية وأوروبا (إنكلترا والدانمرك) ودول الخليج، في هجرات متعاقبة بحثاً عن العمل والاستقرار، محافظين رغم بُعد المسافة وتعدد الأوطان على اسم واحد يجمعهم: قرمان.
عمل مفتوح ومستمر
ما ورد أعلاه هو حصيلة ما تكشّف من وثائق وشهادات حتى تاريخ إعداد هذه الصفحة، لا أكثر. فقد يكون لأحد الأجداد المذكورين أبناء أو بنات لم تصلنا أسماؤهم بعد، وقد تظهر لاحقاً وثيقة تُصحّح تاريخاً أو تكشف صلة قرابة جديدة بين الأفرع. نعمل باستمرار على استكمال هذه الصورة، ونرحّب بأي إضافة أو تصويب من أبناء العائلة الذين يملكون معلومات أو وثائق أو صوراً تُغني هذا التوثيق.