من العائلات المقدسية المعروفة التي تقلد بعض أفرادها وظائف عسكرية رفيعة المستوى ( في أواسط العهد العثماني) وعُينوا أحياناً في منصب المتسلم أو وكيله، ذكرت سجلات المحكمة الشرعية أسماء العسلي والعفيفي والجاعوني. فقد شغل أحمد آغا العسلي (الدزداد) وظيفة قائد قلعة القدس مثل أبيه وأجداده في القرن الثامن عشر، وعُين وكيل المتسلم في رمضان 1244 هــ/ آذار (مارس)1829 م.
برزت عائلة العسلي في القدس، خلال القرن السابع عشر، كإحدى العائلات التي عملت في التجارة بنجاح، فشغل احد أبنائها وظيفة شيخ التجار. لكن البعض الاخر من ابنائها اتجه الى الوظائف العلمية، بينما دخلت قلة منهم سلك الجندية. فقد صار فضل الدين آغا العسلي دزدار قلعة القدس قبيل انتهاء القرن السابع عشر، وظل في هذه الوظيفة مدة طويلة بعد ذلك. وخلال ثورة نقيب الاشراف في القدس (1703 – 1705)، صارت القلعة ساحة للمعارك بين الثوار وعساكر الدولة. ولا تفصح وثائق المحكمة الشرعية عن موقف فضل الدين آغا دزدار القلعة من تلك الاحداث، لكن احداها تتحدث عن استبداله بعبد الله آغا، وعن تسليم القلعة وما بداخلها من سلاح وذخيرة وافرين لصاحب المنصب الجديد. ويبدو أن ثورة نقيب الأشراف وما تلاها من وضع أعداد كبيرة من العساكر العثمانية في القلعة بعد إخمادها أضر بمكانة فضل الدين هذا إلى حين. لكن وثائق المحكمة الشرعية تؤكد عودته الى منصبه بعد أعوام قليلة. وبعد مضي أكثر من عامين على تولي فضل الدين آغا العسلي المنصب، تم عزله مرة اخرى عن دزدارية قلعة القدس مع توجيه تهم خطرة إليه هذه المرة. فقد جاء في فرمان عزله عن الوظيفة وتعيين حمدان بن أحمد زيتون بدلاً منه أن إبعاده كان بسبب "شقاوته وعصيانه وعدم دفعه الاموال لديوان الشام".
ويبدو أن فضل الدين آغا العسلي هذا هرب من القدس ولم يعد الى المدينة، إذا لم يرد ذكر له في وثائق المحكمة الشرعية بعد ذلك. ومع ذلك فان آخرين من أفراد العائلة لم ينقطعوا عن الخدمة العسكرية، وذكرت أسماؤهم مقرونة بلقب آغا. وفي أواخر القرن الثامن عشر برز اسم فضل الدين آغا العسلي، وهو حفيد الدزدار المذكور أعلاه، إلى جانب عسكريين آخرين من هذه العائلة. ولم تمض فترة طويلة بعد ذلك حتى عُين السيد فضل الدين آغا هذا مثل جده دزداراً لقلعة القدس.
كما أن دزدار القلعة تولى وظائف إدارية أُخرى، مثل جباية الضرائب المترتبة على أراضي السلطان (خاص سلطاني). هذه الصلاحيات العسكرية والإدارية الواسعة المتعلقة بمنصب قائد قلعة القدس جعلت أبناء عائلة العسلي من العائلات المقدسية صاحبة النفوذ. وكان أبناء هذه العائلة دخلوا سلك العسكرية منذ القرن السابع عشر، كما ذكرنا سابقاً. فبالاضافة الى وظيفة الدزدار التي شغلوها وتوارثوها فقد تجندوا في فرق عسكرية أُخرى، وعُين بعضهم لادارة إقطاعات التيمار، فصار أحدهم وهو أحمد بك العسلي قائداً لأصحاب الاقطاع (ميرالاي او آلاي بك) في القدس في أواخر القرن الثامن عشر. ولم يخلف أحمد بك أولاداً فانتقلت أملاكه الى ابن اخته فضل الدين آغا العسلي، المذكور أعلاه، والذي صار دزدار قلعة القدس منذ سنة 120 هـــ/ 1789 – 1790 م على الأقل.
وقبل وفاة فضل الدين آغا الدزدار انتقلت هذه الوظيفة الى ابنه أحمد آغا، الذي ورث عن والده أملاكاً كثيرة ومكانة عالية في القدس، وخصوصاً أن هذه العائلة صارت من الأشراف عن طريق المصاهرة. وفعلاً، فان أحمد آغا الدزدار عزز في العقد الثالث من القرن التاسع عشر مكانته الاجتماعية والاقتصادية، وصار من أبرز أعيان القدس أصحاب الوظائف الإدارية الرسمية. ففي أواسط ذلك العقد عُين آلاي بك القدس، مسؤولا عن " وجاق الزعماء وأرباب التيمارات بالقدس الشريف". في تلك الفترة ما عاد احمد آغا العسلي مجرد ضابط عسكري في خدمة الدولة العثمانية وولاة الشام، وإنما صار أحد ابرز وجوه القدس واعيانها ذا مصالح اقتصادية وعلاقات اجتماعية حميمة بالنخب المقدسية المحلية. لقد أدى احمد آغا الدرزدار دوراً مهماً كحلقة وصل بين السلطة المركزية العثمانية والأهالي، ما دامت قواعد وأسس حكم القدس وإدارتها معروفتين ومقبولتين من الطرفين. لكن أي تغيير من جانب الدولة وولاتها في الشام في اتجاه الإضرار بمصالح السكان وامتيازات النخبة المحلية كان سيدفع أحمد آغا العسلي إلى اختيار الوقوف إلى جانب احد الطرفين ضد الآخر. وهذا ما حدث فعلا سنة 1825 حين انصم الى الاهالي الذين ثاروا، بل صار احد زعماء التمرد البارزين.
للمزيد: لواء القدس في أواسط العهد العثماني
عادل مناع