هويّة | المشروع الوطني للحفاظ على جذور العائلة الفلسطينية
حلب – مخيم النيرب
الجمعة 27 آذار / مارس 2026
استأنف فريق «هويّة» نشاطه الميداني بعد عطلة عيد الفطر المبارك، من خلال سلسلة مقابلات توثيقية في مخيم النيرب شمالي مدينة حلب، وذلك ضمن المشروع الوطني الهادف إلى حفظ الذاكرة الشفوية للعائلات الفلسطينية وتوثيق جذورها التاريخية.
وجاءت هذه الزيارة عقب لقاء تمّ تنسيقه مع الحاج ياسر محمود الميعاري، بعد أداء صلاة الجمعة في مسجد فلسطين، حيث أبدى استعداده للحديث عن مسقط رأسه قرية عكبرة في قضاء صفد، مستحضراً ما تبقى من ذاكرته الشخصية وروايات عائلته المتوارثة.
توثيق الجذور العائلية
في مستهل اللقاء، قدّم فريق «هويّة» تعريفاً بالمؤسسة ومنهجيتها في توثيق الأنساب الفلسطينية، مؤكداً أهمية هذا العمل في تعزيز الوعي بالحقوق التاريخية، وفي مقدمتها حق الشعب الفلسطيني في أرضه. كما جرى خلال الجلسة تدوين شجرة عائلة الميعاري، التي تُعد من العائلات العريقة في القرية.
وعرّف الحاج بنفسه قائلاً:
"أنا ياسر محمود الميعاري، من مواليد عكبرة – 1945".
عكبرة… كما يرويها أهلها
رغم مغادرته فلسطين في سن الثالثة، استعاد الحاج الميعاري ملامح قريته من خلال ما علق في ذاكرته وما نقله إليه أهله، واصفاً منزل العائلة بأنه حوش عربي بسيط مبني من الطين، كانت تعيش فيه الأسرة الممتدة.
وأشار إلى أن والده كان من ملاك الأراضي، يعمل في زراعة الخضروات والتبغ، إلى جانب تربية المواشي، حيث كانت منتجات الأرض من حليب ولبن وسمن تُباع في مدينة صفد القريبة. كما لفت إلى أن غالبية سكان الحي كانوا من أقاربهم، وينحدرون من أصل عائلي واحد.
وبيّن أن القرية ضمّت عدداً محدوداً من العائلات، منها: موسى، ناجي، ساعد، يوسف، الميعاري، ومغامس، واصفاً شوارعها بالمبسطة ومياهها بالعذبة.
حياة بسيطة وبنية محدودة
أوضح الحاج أن عكبرة كانت تفتقر إلى الخدمات الأساسية، فلم تكن تضم مدارس أو مرافق صحية، ما اضطر السكان إلى التوجه إلى مدينة صفد لتلقي التعليم والعلاج، والتي كانت تبعد مسافة قصيرة سيراً على الأقدام. كما أشار إلى أن أهل القرية كانوا يؤدون صلواتهم في مصلّى بسيط داخل غرفة كبيرة.
عادات وتقاليد راسخة
وتحدّث الحاج عن الحياة الاجتماعية في القرية، مشيراً إلى أن الأعراس كانت تمتد لأيام، تتخللها الأهازيج الشعبية وقرع الطبول، فيما شكّل عزف آلة “الأرغول” علامة مميزة في تلك المناسبات. واستذكر بعض الأغاني التراثية التي كانت تُنشد في الأفراح، إلى جانب أجواء التكافل الاجتماعي.
كما استعاد تفاصيل شهر رمضان، من دور المسحّر إلى تبادل الأطعمة بين الجيران، وزيارات العيد التي تبدأ بزيارة المقابر، مؤكداً تمسكه حتى اليوم باللباس التقليدي الفلسطيني.
النكبة ومسار اللجوء
وعن أحداث النكبة عام 1948، روى الحاج الميعاري تفاصيل التهجير القسري، مشيراً إلى أن القصف الجوي دفع الأهالي إلى الفرار خوفاً على حياتهم، حيث خرج وهو طفل صغير برفقة عائلته باتجاه الحدود اللبنانية.
وأضاف أن العائلة تفرّقت بين لبنان وسوريا، ليستقر بهم الحال لاحقاً في مخيم النيرب، داخل مهاجع كانت تُستخدم سابقاً لإيواء الخيول، موضحاً أنهم أقاموا في البركس رقم 28.
حق العودة… موقف لا يتغير
وفي ختام اللقاء، عبّر الحاج عن رفضه القاطع لأي تعويض بديل عن أرضه، مؤكداً تمسكه بحق العودة إلى قريته عكبرة، قائلاً بانفعال:
"فلسطين بلدي… خلقت فيها"،
مضيفاً: "إذا تحررت، أعود إليها مهما كلف الأمر".
كما ختم حديثه بالدعاء لأهل القدس، قائلاً:
"الله يحمي المرابطين في المسجد الأقصى".
يأتي هذا اللقاء ضمن سلسلة جهود تبذلها «هويّة» لتوثيق الرواية الفلسطينية الشفوية، وصون الذاكرة الجماعية للأجيال القادمة.
