كانت القرية تقع على سفوح تل صخري إلى الشمال من وادي البصة وتواجه الغرب أي نحوالساحل البحر الأبيض المتوسط. وكانت طريق فرعية تربطها بالطريق العام الساحلي بينعكا وبيروت ولعل اسمها مشتق من اللفظة الكنعانية( بصاة)، وتعني المستنقع وكان اسمهابيزيث في الفترة الرومانية وأشار إليها عماد الدين الاصفهاني (توفي سنة 1201) وهومؤرخ كان مقربا من السلطان صلاح الدين الأيوبي في كتاباته باسم عين البصة . في سنة 1596، كانت القريةتابعة لناحية تبنين (لواء صفد)، وعدد من الغلال كالقمح والشعير والزيتون والقطنوالفاكهة، بالإضافة إلى عناصر أخرى من الإنتاج والمستغلات كالماعز وخلايا النحلوالمراعي وكانت البصة تقع في منطقة مدار نزاع ما بين ظاهر العمر الذي أصبح الحاكمالفعلي لشمال فلسطين لزمن قصير في النصف الثاني من القرن الثامن عشر وبين زعماء جبلعامل . أما خليفة ظاهر العمر، احمد باشا الجزار فقد جعل البصة قصبة الناحية. في أواخرالسبعينات من القرن التاسع عشر.
في اواخر كانت البصة مبنية بالحجارة ويسكنها 1050 نسمةتقريبا وكانت تقع على طرف سهل وتحيط بها بساتين الزيتون والرمان والتين والتفاحوكانت القرية جزءا من لبنان قبل الحرب العالمية الأولى غير أنها ألحقت بفلسطين بعدالحرب عندما رسمت بريطانيا وفرنسا الحدود بين هذين البلدين.
توسعت البصة خلالالانتداب البريطاني لتشمل تلة مجاورة كانت تعرف بالجبيل وبحلول سنة 1948، كان عددمنازل البصة يفوق 700 منزل وكان كل منزل من المنازل القديمة يشتمل في العادة علىغرفة واحدة واسعة، وذات سقف عال. وكان لكل منزل حوش كبير ينشرالغسيل فيه، وحفظالحيوانات فيه أيضا. كما كان الحوش يشمل غرفا لحفظ الحبوب وعلف الحيوانات فيه، وبئراتجمع مياه الامطار فيها. وكانت البئر تكفي أصحاب المنزل حاجتهم من المياه وكانت تلكالمنازل القديمة مبنية بالحجارة ومتقاربة بعضها من بعض، ويفصل بعضها عن بعض بعضشوارع وأزقة مرصوفة حجارة. أما المنازل الجديدة التي بنيت بعد الحرب العالميةالأولى فغالبا كانت مكونة من طبقتين. أما الحوش في هذه المنازل الجديدة فكان فيالغالب يشتمل على حدائق منزلية فيها أنواع من أشجار الفاكهة والخضروات.
أماسكان هذه القرية وسكان خربة معصوب المجاورة فقد ضمنوا معا في إحصاءات السكان لفترة 1944\ 1945، كان عددهم آنئذ 1590 مسيحيا و1360 مسلما في سنة 1948 كان عدد السكانيقدر بنحو 4000 نسمة لكن من دون تحديد للانتماء الديني. وكانت هذه الزيادة في عددالسكان تعزى إلى فيض من المهاجرين من مناطق أخرى (وجدوا لأنفسهم أعمالا في القواعدالعسكرية البريطانية القريبة)، والى انخفاض نسبة الهجرة من القرية.
كانت البصةثانية كبرى القرى في المنطقة من حيث عدد السكان. وقد أنشئ مجلس فيها سنة 1922، بلغدخله 121 جنيها فلسطينيا سنة 1929، 1407 جنيهات سنة 1944 أما نفقاته فبلغت نحو نصفدخله السنوي في كلتا السنتين بعيد سنة 1946 بدأت ميزانية المجلس تعاني عجزا بسببإنشاء شبكة من قنوات المياه التي مدت منازل القرية بمياه الشرب.(وقبل إنشاء هذهالشكبة كان منزل يحصل على مياه الشرب من أبار تتجمع مياه الأمطار فيها خلال الشتاءومن نبع داخل محيط القرية ومن بئر ارتوازية حفرت في الأربعينات على بعد نحو 1،5 كلمغربي القرية). كما ساعد المجلس القرويين في الشؤون الزراعية كاستئجار النواطيرللحقول( وكان الفلاحون يدفعون رواتبهم) واراشاد سكان القرية في شؤون الزراعة وتوقيتمواسم الحصاد لشتى المزروعات.
وكان في القرية مدرسة ابتدائية رسمية للبنينشيدتها الدولة العثمانية في سنة 1882 ومدرسة ثانوية خاصة ومدرسة ابتدائية رسميةللبنات. وانشأ سكان القرية أنفسهم ناديين رياضيين ومسجدين وكنيستين وأضرحة ومقاماتعدة بعضها للمسلمين وبعضها للمسيحيين وكان مقامان منها مقدسين لدى الطائفيين معاوكان العمال في البصة أسسوا فرعا محليا لاتحاد العمال الوطني الفلسطيني. وكان هذاالاتحاد يدافع عن مصالح العمال، وقد أسس متاجر تعاوينة في القرية. وكان في البصة مايزيد على عشرين متجرا تلبي حاجات القرى ولأخرى أيضا كما كان فيها(حسبة) ( سوقمفتوحة للمنتوجات بالجملة والمفرق) قائمة وسط القرية. وكانت ( الحسبه) تقام أيامالآحاد. وكان سكان القرية يعملون أيضا في مهن أخرى كالحرف وصناعة الصابون فضلا عنالعمل أُجراء في القواعد العسكرية البريطانية، كما اشرنا من قبل.
في أثناء فترةالانتداب كان بعض سكان القرية يعنى بتربية الحيوانات بما فيها البقر. كانت عشرعائلات على الأقل تعتاش من قطعان الماعز والضأن وكانت المزروعات في القرية تسقى منقنوات الري ومياه الأمطار. وكان الري محصورا في العادة بأشجار الفاكهة والخضرواتالتي كان معظمها مزروعا على بعد نحو 2كلم غربي القرية، في منطقة كانت فيها أيضامنتزهات ومقاه . في أوائل الأربعينات كان في القرية تعاونية للفلاحين تملك الأدواتالزراعية وشاحنة وآلة للحصاد. ومع إن المزروعات الأساسية كانت القمح وغيره منالحبوب فقد كانت الأرض تزرع أيضا خضروات وفاكهة وحبوب المكسرات. في 1944\ 1945 كانما مجموعه 614 دونما من أراضي البصة وخربة معصوب مخصصا للحمضيات والموز و 10437دونما للحبوب و 4699 دونما مرويا أو مستخدما للبساتين.
وقد عثر على أثريات داخلالقرية وخارجها. وكان في داخلها بقايا قرية قديمة وأجزاء أرضيات من الفسيفساء وبعضالآبار والقبور المنحوتة في الصخر. كما كشفت دائرة الآثار الفلسطينية سنة 1932مقبرة مسيحية عثر فيها على نقود وزجاجيات تعود إلى القرن الرابع للميلاد وعلاوة علىذلك كان إلى جوار القرية ما يفوق 18 خربة.
احتلالها وتهجير سكانها
استنادا إلى مصدرين اسرائيلين والى تقرير لوكالة يونايتد برس، فان احتلال البصة كانتم في 14 أيار \ مايو 1948 خلال عملية بن عمي ( انظر الغابسة، قضاء عكا). غير أنالمؤرخ الفلسطيني عاف العارف يؤرخ سقوطها قبل ذلك بثلاثة أيام، أي في 11\ مايو. وورد في كتاب ( تاريخ الهاغاناه) إن القوات الصهيونية نزلت عند هذه القرية الساحليةبالقوراب فكان هذا النزول ( من زاوية معينة أول عملية لسلاح البحرية) ويضيف الكتابإن سكان القرية ( قد فروا لدى ظهور القوات اليهودية). غير إن شهود عيان قابلهمالمؤرخ الفلسطيني نافذ نزال لاحقا رووا الأحداث بصورة مختلفة. فقد قال هؤلاء إنالكثيرين من النساء والأطفال كانوا رحلوا قبلا خوفا من القتال غير إن بعضهم ظل فيمكانه. ويوم الهجوم، اخذ مقاتلو القرية بغتة فتراجعوا نحو الشمال. ويستذكر سكانالقرية إن قوات الاحتلال أمرت جميع من تبقى ومعظمهم من الشيوخ بالتجمع في كنيسةالقرية وهناك اخذوا بعض الشبان (ومن جملتهم امرأة واحدة على الأقل)، وأعدموهم رميابالرصاص خارج الكنيسة، وأمروا الباقين بان يدفنوهم ولا يذكر المؤرخ الإسرائيلي بينموريس هذه الحادثة، إنما يقول إن معظم سكان القرية كان رحل عنها من قبل، وان معظمالباقين (فر خلال الهجوم) ويضيف أن بعضهم ( أمر، أو نصح له التوجه شمالا إلى لبنان) وان 100 آخرين تقريبا من سكانها ( ومعظمهم من المسنين والمسيحيين) نقلوا إلى قريةالمرزعة مع غيرهم من القرويين المهجرين من الجليل واستنادا إلى نزال قتل بعض سكانالقرية لاحقا حين حاولوا العودة إلى القرية لاستعادة ما تبقى من ممتلكاتهم.
المغتصبات الاسرائيلية على أراضي القرية
انشأ الإسرائيليون مستعمرة بيتست ( 163275) سنة 1949 في موقع القرية واسكنوا فيهامهاجرين يهودا من رومانيا ويوغسلافيا. وقد أُنشىء مطار حربي يحمل الاسم ذاته قرب هذه المستعمرة. وفي السنة ذاتها أسس أفراد من لواء يفتاح، هذهالمستعمرة. وفي السنة ذاتها أسس أفراد من لواء يفتاح التابع للبلماح، مستعمرة كفارروش هنكرا (161277)على أراضي القرية. وفي سنة 1949 أيضا أنشئت مستعمرة ليمان(162177) على اراضي القرية، الى الشرق من موقعها، وكانت ليمان فيالبدء قاعدة عسكرية تدعى تساهال، ثم دعيت لمان بعد أن زارها عضو مجلس الشيوخالاميركي هربرت ليمان في سنة 1959. وأنشئت شلومي (164275) وهي إحدى مدن التطوير فيسنة 1950 على أراضي القرية إلى الجنوب قليلا من موقعها الأصلي. ويبلغ عدد سكانهاالآن 2200 تقريبا. أما مستعمرة متسوفا ( 165274)، التي أسست في سنة 1940، فقد توسعتويقع بعض أبنيتها الآن على أراضي القرية.
القرية اليوم
لم يبق من القرية اليوم سوى اثنين من أبنيتها الكبرى، هما كنيسة الروم الكاثوليكومزار إسلامي: الكنيسة وهي مبنية بالحجارة غنية بالمعالم المعمارية بما في ذلكنافذة عالية تعلوها قنطرة دائرية الشكل والى جانبها نافذتان اصغر منها تعلوهاقنطرتان. أما المنطقة التي تتضمن منبر الوعظ وهي في احد أجزاء البناء فلها شكل نصفدائري ولها أيضا نوافذ عالية ذات قناطر أما برج الجرس فيرتفع عن سقف متدرج مغطىبالقرميد وهذه الكنيسة متداعية الآن من احد جوانبها كما إن حيطانها مشققة. أمّا المزار الاسلامي فتعلوه قبة، وهو مهجور، ويقع وسط اشجار القرية قائما، ويحتل الاسرائيليون عدداً من هذه المنازل. واحد المنازل عبارة عن بناء ذي طبقتين، له ابواب ونوافذ مستطيلة ومقوسة. وإطار احد هذه الابواب يشتمل للباب عليه نقوش وزخارف. وثمة فوق السقف ايضاً قنطرة إضافية مزخرفة.
وتنتشر في أجزاء أُخرى من الموقع أشجار التين والشوك والصبًار، وركام من حجارة المنازل المدمًرة. أمّا الاراضي المحيطة بالقرية فمزروعة.
كتاب "كي لا ننسى"
الدكتور وليد الخالدي