في ضيافة الحاج أمين أحمد جودة شنك
لفتا… قرية على تخوم القدس لا تغيب عن الذاكرة
لفتا – قضاء القدس
هوية | عمان
حلّ فريق هوية ضيفًا على الحاج أمين أحمد جودة شنك (مواليد 1930)، أحد أبناء قرية لفتا المهجّرة قضاء القدس، الذي قدّم شهادة حيّة وموثّقة عن الحياة الاجتماعية والتعليمية والاقتصادية في قريته قبل نكبة عام 1948، مستعيدًا تفاصيل المكان والناس والعادات التي شكّلت هوية القرية وأهلها.
وتقع قرية لفتا إلى الجهة الغربية من مدينة القدس، وتُعد من القرى الجبلية الجميلة الملاصقة لأبواب المدينة التاريخية، ولا سيما باب الزاهرة وباب العامود وباب الخليل. وكانت القرية تنقسم إلى حارتين: الحارة الفوقا القريبة من القدس، والتي تميّزت بتوفّر الخدمات من مياه وإنارة وشوارع معبّدة وأسواق، والحارة التحتا التي اعتمد أهلها على الزراعة وتربية المواشي، وكانت أقل حظًا من حيث الخدمات.
وأشار الحاج أمين إلى أن لفتا كانت محاطة بعدد من القرى الفلسطينية، منها دير ياسين، قالونيا، النبي صموئيل، شعفاط، عين كارم، بيت إكسا، بيت حنينا، العيسوية، أبو ديس وسلوان، ما جعلها جزءًا من نسيج اجتماعي وجغرافي متكامل حول القدس. وبيّن أن القرية ضمّت خمس حمائل رئيسية هي: مقبل، غبن، العايدة، الصفران ودار سعد.
وفي الجانب التعليمي، أوضح أن لفتا احتضنت المدرسة الأميرية التي كانت مقصدًا لطلاب القرى المجاورة، وقد درس فيها حتى الصف السابع، مشيرًا إلى مستوى التعليم العالي والانضباط الصارم، حيث لم يكن يُرفَّع الطالب إلا باستحقاق. كما كانت المدرسة تنظم احتفالات للطلبة المتفوقين، وشهدت نشاطات وطنية ورياضية وكشفية، وكان من أبرز كوادرها المدير كمال الريماوي، والمعلمون يوسف الحسيني، يوسف صيام، محمد ربيع وغيرهم.
وتحدث الحاج أمين عن معالم القرية الدينية والتراثية، ومنها مسجد عكاشة، ومقام الشيخ بدر، ومقام سيف الدين، إضافة إلى أشجار الزيتون الرومانية المعمّرة ومعصرة زيتون بدائية قديمة. واعتمد أهالي لفتا في معيشتهم على الزراعة، لا سيما الزيتون والتين والعنب والرمان والصبر والتفاح، إلى جانب زراعة القمح والشعير والعدس والحمص، كما شكّلت الكسّارات الحجرية مهنة رئيسية لعدد كبير من أبناء القرية.
وعلى الصعيد الاجتماعي، تميّزت لفتا بروح التكافل والتضامن، خاصة في شهر رمضان، حيث كان الأهالي يتعاونون في توزيع الزيت والطحين على الفقراء، ويجتمعون على موائد الإفطار في المسجد. وفي الأعياد، كان الوجهاء يتولّون حلّ الخلافات وإصلاح ذات البين، فيما اشتهرت أعراس القرية التي كانت تمتد عدة أيام، وتتخللها الدبكة والدحية والأهازيج الشعبية وزفّة العرسان، بمشاركة جماعية من أبناء القرية.
وعن أحداث التهجير، روى الحاج أمين تفاصيل مؤلمة من الأيام الأخيرة قبل الرحيل، حيث تعرّض وجهاء القرية لهجوم أثناء اجتماعهم، أسفر عن سقوط شهداء وجرحى، ثم جرى استهداف الجرحى أثناء محاولتهم الفرار. كما فُرض حصار على القرية، وتزامن ذلك مع مجزرة دير ياسين التي بثّت الرعب في نفوس الأهالي، في ظل منعهم من حمل السلاح للدفاع عن أنفسهم. وأمام تصاعد القصف وانعدام القدرة على الصمود، اضطر أهالي لفتا إلى النزوح في حزيران/يونيو عام 1948، فتفرّقوا بين القرى المجاورة، ثم إلى رام الله، ومنها إلى عمّان.
واختتم الحاج أمين شهادته بالتأكيد على عمق ارتباطه بقريته قائلًا: «لفتا لم تغب يومًا عن ذاكرتي؛ عشت فيها طفولتي وصباي، وأحفظها شبرًا شبرًا، وقد قمت بصناعة مجسّم للقرية لتبقى حاضرة في الذاكرة، ولأحكي قصتها للأجيال القادمة».
وتأتي هذه الشهادة ضمن جهود هوية في توثيق الرواية الشفوية الفلسطينية، والحفاظ على الذاكرة الجماعية للقرى المهجّرة، تأكيدًا على حق العودة وصونًا للهوية الوطنية.
