٤٠ د ·
#منقول من صفحة عامر خالد
فرس سِيْدي دهود(*) ....
قالت أمي :
لم يَعُد سِيدي (دهود) ذلك الخيَّال البارع بعد أن تقدمت به السنون ، فهو الآن في العقد الثامن من عمره، ومع ذلك فقد استمر بالعناية بخيوله الأصيلة التي ورث الولع بها عن والده منذ صغره..
كان سِيدي (دهود) يعرف أنساب خيوله ، فهذه( الصبحة) ابنة (الشقراء) ، وذاك (الأكحل) ابن (المحجلة،) بل كان يسلسل أنسابها حتى رابع جد أو أكثر، بل وينسبها إلى المنطقة مصدر ابيها أو أمها، فهذه بنت الشامية، وذاك ابن السبعاوي، وتلك حفيدة النابلسية.
لا يهتم الفلاحون عادة بالخيول الأصيلة، فهم ليسو بحاجة اليها كحاجتهم للحمير أو بغال الجر أو ثيران الحرث، ولكن كان يكفي أن يكون في القرية فرس أصيلة او اثنتان، يستعيرها أهل القرية من مالكيها، لعريس أو عروس في يوم زفافهما..
حتى أن رجال القرية كانوا يتفاخرون فيما بينهم بالحصان أو الفرس التي زفُّوا عليها.
فهذا يفتخر. بالفرس الشقراء التي زف عليها وهذا يفتخر بالصبحة، وهذا بالمحجل وهذا بالأكحل.
يعرف سِيدي( دهود) خيوله جيدا ، فهذا حصان مطواع، وتلك فرس جموح.
لم يكن للعريس او والده الخيرة في الحصان الذي سيُزف عليه، فعندما يأتي اليه أهل العريس او العروس كان يقترح عليهم أي فرس مناسب لعريسهم هذا او لعروسهم تلك .
مع تقدم سيدي دهود في العمر أصبح غير قادر على الرعاية بكل أفراسه، ومع تردي الحالة الاقتصادية للناس إبان الحرب العالمية الثانية كذلك أصبح غير قادر أيضا على الإنفاق عليها، فقام ببيع خيوله مبقيا على فرسه العزيزة على
قلبه( الصبحة).
تلك الفرس التي كان سيدي دهود يعشقها، بل تعشقه كذلك، كانت تفهم إيماءاته، بل ويفهم حمحمتها، وكانت لا تستجيب إلا لأمره وصفيره، ولا تسمح لأحد أن يمتطيها الا بإذنه.
كان سيدي دهود يطلب من والد العريس، أو والد العروس ، ان يأتي قبل يوم من موعد الزفَّة برفقة العريس أو العروس حتى تشم (الصبحة) من سيركبها في يوم العرس وتتعرف عليه جيدا، وكان سيدي دهود يقول لفرسه مازحا : هذا من ستزفينه غدا، أو هذه من ستزفينها فكوني عاقلة مطواعة.
***************************
اشتدت مقاومة القرويين الفلسطينين للإحتلال الإنكليزي بعد ثورة عام ١٩٣٦، وأخذ الثوار يهاجمون الثكنات الإنكليزية.. وقوافل امداداتهم يوميا ، وتشكلت مجموعات من الثوار من كافة قرى الساحل الفلسطيني والداخل، أرقت المستعمر وأوقعت به خسائر كثيرة في الأرواح والعتاد.
فأخذ الإنكليز يتبعون أسلوب (الطوق) في بحثهم عن الثوار.
كانوا يطوقون اي قرية يستهدفونها منذ الصباح الباكر، ويحاصرونها من كل الاتجاهات مغلقين مداخلها ومخارجها... ويقومون بتجميع سكان القرية في أحد بيادر البلدة، فاصلين الرجال عن النساء والأطفال والشيوخ.
وبعد ذلك يقومون بتفتيش كل بيوت القرية بحثا عن الأسلحة والذخائر، بل ويعيثون في البيوت فسادا، فيعمدون إلى إحراق بعضها او خلط الحبوب المخزنة في بيوت القرويين ببعضها، وإهراق الزيت والسمن على الأرض، إمعانا في افقار سكان القرى من الفلاحين، لكي ينشغلوا عن المقاومة في البحث عن لقمة عيشهم.
أثناء تفتيش بيت سِيدي (دهود) ، وقعت عين الضابط المسؤول على الفرس الصبحة، فأراد امتطاءها ، كانت تصهل مبدية احتجاجها لكنه أصر، فركبها عنوة، ولم يكد يمشي بها بضعة أمتار حتى ألقته عن ظهرها ، فأخذ يصيح من شدة الألم، وفقد القدرة على المشي، بينما هربت الفرس إلى السهول المجاورة للقرية.
تجمع العساكر حول قائدهم (الفارس)، وحملوه إلى الساحة ، حيث جمع رجال القرية..
عرف العسكر بسؤالهم أنها فرس سِيدي ( دهود) ، فاقتادوه معهم إلى حيفا مع مجموع الرجال الذين وقع الاختيار عليهم من قبل ذلك الشخص الملثم الذي كان يستعمله الإنكليز للدلالة على الثوار من أهل القرية.
عاد سِيدي ( دهود) من حيفا في اليوم الثاني مساء ضاحكا، وقد غرم بعشرة جنيهات فلسطينية جراء ما قامت به فرسه من أعمال عدوانية ضد جنود الانتداب حسب ما جاء في قرار التغريم .
**********************************
شمَّته (الصبحة) استعدادا لموعد الزفَّة في اليوم التالي، كان شابا في مقتبل العمر يتفجر عنفوانا وقوة.
قال لها سيدي دهود : كوني عاقلة، ستزفّين غدا زينة شباب القرية واشجع فتيانها.
كان عبد الرحمن(*) في تلك الليلة على موعد مع الثوار، فقد عقدوا العزم على مهاجمة دورية للإنكليز متوجهة من حيفا إلى يافا، وكان موعدهم قرية (الفريديس) تلك القرية المطلة على البحر، وبنفس الوقت على ذلك الطريق الذي ستمر منه تلك الدورية.. ...
شمَّته( الصبحة) وتعرفت على رائحته عند غروب الشمس، فاستأذن والده في بضعة أعمال سيقوم بها. قال له والده : لا تتأخر فعليك الاستعداد لعرسك غدا. فقال : انها ساعة واحدة ادعو خلالها بعض أصدقائي لعرسي.
ذهب والد العريس باتجاه منزله. بينما عاد عبد الرحمن أدراجه خلسة إلى حظيرة (الصبحة) التي تعرفت عليه، فامتطاها وانطلق.
التقى عبد الرحمن مع رفاقة من الثوار عند العشاء وتوجهوا إلى (الفريديس) ، بانتظار مرور الدورية...
سمع سكان عين غزال إطلاق النار البعيد، بينما أخذت النساء المجتمعات في منزل العروس بالزغاريد، عرفوا أن هناك اشتباكا ما قد حصل، لم يكن الأمر غريبا ، فهم اعتادوا على تلك الاشتباكات التي كانت تحصل بشكل يومي.
لم يعد عبد الرحمن ليلتها، بحث عنه والده عند أصدقاء له فلم يجده، ولم يجدهم ،وعندما سمع إطلاق النار البعيد... انقبض قلبه، وقال في سريرته : لقد فعلها، سترك يا رب. واحتار ماذا سيفعل، فغداً عرس ولده المختفي.
من عادة سِيدي (دهود) صباح كل يوم زفَّة ان يجهز فرسة... بسرج خاص مزركش ومزين بريش النعام... غير ذاك السرج الذي يستعمله في تنقلاته الاعتيادية على فرسه. فأحضر السرج المميز وتوجه به إلى حضيرة (الصبحة) فلم يجدها ! ،
بحث عنها في الجوار فلم يعثر عليها كذلك.
انتظر سِيدي ( دهود) ساعة، ساعتين علّ أحد من أولاده قد أخذها، فخاب ظنه، سأل أولاده عنها فلم يجد لديهم جوابا.
لم يعد العريس وفقدت الصبحة !.
حان موعد الزفة ولم تعد( الصبحة) ولم يأت والد العريس لاصطحابها.
ذهب سِيدي دهود إلى بيت والد العريس ليعتذر له عن فقدانه للفرس وليمنحه فرصة البحث عن حصان آخر، كانت حلقة الدبكة أمام بيت العريس على أشدها والشباب ينتظرون خروج العريس استعدادا للزفَّة.
بينما كان والد العريس ساهما شاردا وقد أثقل كاهله غياب ابنه ولا يدري ماذا سيقول للحضور من الجيران والأقارب والمدعوين من القرى المجاورة.
تقدم منه سِيدي (دهود) خجلا، لا يدري ما يقول، بينما تقدم والد العريس منه لا يدري ما يقول كذلك، سلما على بعضهما ووقفا صامتين يشاهدان حلقة الدبكة، كل منهما يحمل هما لا يدري به الآخر. وكل منهما ينتظر فرصة ليكلم الآخر بمشكلته.
وفجأة. سمع الجميع صهيلا من بعيد، كانت (الصبحة) تعدو باتجاة حلقة الدبكة وفوقها عبد الرحمن العريس تعلو وجهه بشائر النصر، ملوِّحا ببندقيته ، فأخذت النساء بالزغاريد، بينما حضن جدي ووالد العريس كل منهم الآخر، وأخذت (الصبحة) ترقص داخل حلقة الدبكة على وقع أنغام يرغول مخرزان(*) ...
عامر خالد
*******************************
* - سيدي دهود.... هو جد والدتي داود الحسن الحسين والراوية هي حفيدته والدتي.
استشهد في فلسطين في أواخر شهر تموز من عام ١٩٤٨...بعد سقوطه عن فرسه جراء انفجار قنبلة في جوارة... دفن في مزرعة محمود الماضي في قرية إجزم .
* - عبد الرحمن... هو المجاهد عبد الرحمن أحمد كلّاب من قرية عين غزال واللمقب( بالعبد الزايط) ، ويعتبر من قادة الثورة في ذلك الوقت، جرح في ٢٦ تموز عام ١٩٤٨ وتمت معالجته في جنين ، وتوفي بعد ذلك في دمشق عام ٢٠١٥ عن عمر ناهز المئة عاما.. والصورة غير الملونه له.
* - مخرزان..... هو عازف اليرغول الشهير في عين غزال، في ذلك الزمان.

