من سليمان الحلبي إلى ترشيحا
وقفة أولى مع ذاكرة الحاجة أمينة موسى عبد الله
"أم محمد ميعاري"
هويّة – حلب | أ. زياد غضبان
الجمعة 2026/1/2 – حيّ سليمان الحلبي
بعد أداء صلاة الجمعة في مسجد القدس، توجّه مندوب مؤسّسة «هويّة»، برفقة العم أحمد موسى عبد الله (أبو رائد)، إلى حيّ سليمان الحلبي في مدينة حلب، لزيارة الحاجة أمينة موسى محمد عبد الله، المولودة عام 1944 في قرية ترشيحا – قضاء عكّا، وذلك بترتيبٍ مسبق تمّ عبر جارها الحاج مفيد حميدة (أبو إيهاب)، الذي كانت المؤسّسة قد أجرت معه مقابلة توثيقيّة سابقة.
في منزلها، استقبلتنا الحاجة أمينة وابنتها بترحابٍ فلسطينيٍّ أصيل، وفنجانٍ من القهوة العربية، قبل البدء بالتعريف بمشروع «هويّة» وأهدافه في توثيق شجرات العائلات الفلسطينية وحفظ الذاكرة العائلية، بوصفها جزءًا لا يتجزّأ من الذاكرة الوطنية. واستعادت الحاجة أمينة، بمساعدة شقيقها العم أبو رائد، بداياتها الأولى مع شجرة عائلتها وذكريات الطفولة.
بدأت المقابلة بتعريفها عن نفسها قائلة:
"أنا أمينة موسى محمد عبد الله، من مواليد ترشيحا عام 1944."
وسردت تفاصيل حياتها في القرية، حيث كانت تسكن في حارة القاضي، إلى جانب حارات: النصارى، الجامع، البركة، البيّاعين، التحتا، الفوقا، والمجاهد. وأوضحت أن بيوت ترشيحا كانت مؤلّفة من طوابق وبنايات حجرية مميّزة عن باقي القرى.
خرجت من ترشيحا وهي في عمر ثلاث سنوات وشهرين، وكان منزل العائلة مؤلّفًا من غرفتين واسعتين، تتوسطه ساحة دار فيها شجرة دالية كبيرة تمتد أغصانها حتى بيوت الجيران، إضافة إلى إسطبل كان والدها يضع فيه حصانه الأصيل، إذ كان يعمل مكاريًا ينقل البضائع بين لبنان وفلسطين، مثل الشاي والسكر والمواد الغذائية، وكان له أصدقاء كُثُر في سورية ولبنان وفلسطين. ومن جيرانهم: عاطف جمعة، أبو مصطفى دغيم، توفيق القاضي (أبو رمزي).
وصفت الحاجة أمينة الحياة في ترشيحا بالبساطة والتآلف والمحبة، حيث كان المسلمون والمسيحيون يتبادلون الزيارات والتهاني في أعيادهم الدينية. وأشارت إلى أن القرية اشتهرت بالزراعة، ولا سيما كروم التين والعنب والزيتون. كما تحدّثت عن والدتها، التي كانت ماهرة في الأعمال المنزلية، وتصنع خبزًا اشتهر بجودته بين القرى المجاورة، ووصفت الترابط الاجتماعي بأنه "جميل"، كالبيت الواحد، حيث كانت المصاهرة بين العائلات أمرًا شائعًا.
وتطرّقت إلى سبب تسمية ترشيحا، مشيرة إلى روايتين شعبيّتين: الأولى تتحدّث عن شخص يُدعى شيحا، والثانية تربط الاسم بطير الشوح. كما تحدّثت عن جدّها وليد الدقّاق، الذي كان يمتلك مطحنة قمح ومعصرة زيتون ضمن بناء كبير، ضمّ أيضًا مستوصفًا كان يعمل فيه ابنه شهاب في معالجة أطفال القرية.
وانتقلت الحاجة أمينة للحديث عن العادات والتقاليد الاجتماعية، وخصوصًا الأعراس، حيث كان العريس يركب الخيل المزيّن بأطواق الذهب، ويجوب شوارع وحارات القرية، بينما كانت النساء يحنّين العروس مرددات:
"يا ليلة الحِنّة يا ليلة سعيدة..."
ثم تُقام الدبكات الأصيلة في ساحة البيادر، على أنغام المجوز والشبابة، وتُقدَّم مناسف الرز والفريكة على حُصر جديدة، في أجواء ترشحاوية مفعمة بالفرح والانتماء.
وأكّدت أن الكبّة الترشحاوية كانت أكلة أساسية لا تُحضّر في الأحزان أبدًا. كما تحدّثت عن لباس الرجال (الحطّة والعقال)، ولباس النساء المطرّز، الذي ارتدته خلال المقابلة، مضيفةً طابعًا فلسطينيًا أصيلًا على اللقاء. واستذكرت أيام رمضان بما حملته من تكافل اجتماعي، وأيام عيد الأضحى، حين كانت تضع اللباس الجديد قرب فراشها، وترتديه صباح العيد لتلعب مع أبناء الجيران، مثل: إنعام عثمان، أنور القاضي، سمير رافع.
وعن التهجير القسري عام 1948، قالت إن العائلة اضطرت للهروب تحت القصف، متنقلة بين قرى عديدة، متحمّلة أصناف القهر والعذاب، إلى أن استقرّ بها المطاف في مخيم النيرب في مدينة حلب.
واختُتم اللقاء بموقفٍ وطنيٍّ حاسم، عبّرت عنه الحاجة أمينة برفضها القاطع لبيع الأرض أو التفريط بالوطن، قائلة:
"لا بدي مال، ولا بنسى فلسطين."
وعند سؤالها عن التعويض أو استبدال الأرض بجنسية أخرى، أجابت:
"لا، لا، أعوذ بالله… بلدي روحي، والدم بيمشي بروحي. صحيح ما بوعاها، بس لما أشوفها عالتلفزيون بيهزّ جسمي."
وأضافت:
"آباؤنا علّمونا حبّ الوطن، شربنا من ميّته وعشنا فيه… وحلمي بالعودة موجود، وإن شاء الله راح ترجع فلسطين."
