«كلّ يوم عن يوم بتصوّرلي أرجع على وطني»
فريق “هويّة” يوثّق الذاكرة الشفهيّة لشاهدة النكبة
الحاجة فاطمة حمزة يوسف من قرية دير الغصون – قضاء طولكرم
سورية – حلب / مخيّم النيرب
هويّة – إعداد: أ. زياد
الثلاثاء 20 كانون الثاني / يناير 2026
في إطار مشروع توثيق الذاكرة الشفهيّة لشهود النكبة الفلسطينيّة، قام فريق مؤسسة هويّة، يوم الثلاثاء 20 كانون الثاني 2026، بتوثيق شهادة الحاجة فاطمة حمزة يوسف، من مواليد قرية دير الغصون – قضاء طولكرم عام 1945، والمقيمة حاليًا في مخيّم النيرب بمدينة حلب.
وجاءت الزيارة بعد تنسيقٍ مسبق مع صهرها الأخ عايد يوسف، وبالتواصل مع أبنائها لتحديد موعد اللقاء، حيث جرى التوثيق في منزلها. وقد استقبلت الحاجة الفريق بحفاوةٍ وترحيبٍ كبيرين، وبعد جلسة ودّية استُعيدت خلالها ذكريات القرية وأهلها، بدأ الفريق بجمع شجرة العائلة، ثم انتقل إلى توثيق شهادتها حول حياتها في فلسطين قبل النكبة.
تحدّثت الحاجة فاطمة عن تفاصيل الحياة في قريتها، ووصفت منزل عائلتها الذي كان يتكوّن من ثلاث غرف ببناءٍ بسيط، تحيط به ساحة دار وإسطبل للحيوانات، حيث كانت الأسرة تربي الدجاج والأرانب. كما استذكرت والدتها التي كانت تعمل بنشاط، إذ كانت تعجن الخبز صباحًا وتحمله إلى فرن القرية لخبزه. وقد اعتصرت الحاجة ألمًا وهي تروي حادثة وفاة والدتها إثر الهزّة الأرضية التي وقعت آنذاك، حيث سقط حائط المنزل عليها وتوفيت، إلى جانب عددٍ من الجيران، منهم: محمود الخبازي، محمد الخبازي، والحاج يوسف.
وأشارت إلى أن والدها كان مالكًا لأراضٍ زراعية تبلغ مساحتها نحو 80 دونمًا، كان يزرع فيها القمح والشعير والعدس والسمسم، كما كان يقرض الجيران ويتبادل معهم البضائع. وقدّرت عدد سكان القرية آنذاك بنحو 500 نسمة. كما تحدّثت عن مدارس القرية، حيث درس شقيقها تيسير حتى المرحلة الجامعية، وتخرّج لاحقًا بدرجة الدكتوراه، ثم عُيّن في مدينة جنين.
وتطرّقت الحاجة فاطمة إلى مساجد القرية ومطاحنها ومعاصرها، وخيراتها الزراعية، وروت كيف كانت تحمل جرّة الفخار على رأسها وهي تنشد الأناشيد الشعبية. كما استذكرت العادات والتقاليد السائدة في الأفراح والأتراح، وطبيعة الحياة الريفية، حيث كانت تتوجّه فجرًا إلى بساتين الزيتون، تجمع المحصول وتحمله على الدواب، مردّدةً أغاني التراث الشعبي الفلسطيني.
وأكثر ما استرسلت فيه كان أعراس القرية، التي كانت تُقام في البيادر، حيث لا يرى العريس خطيبته إلا يوم الزفاف. ووصفت ليلة الحنّاء بأغانيها الشعبية مثل:
«يا حِنّة يا حِنّة… يا قطر الندى»،
وكانوا يجتمعون في غرفة طويلة تُسمّى «العِكِد»، ويغنّون:
«يا عِكدة يا أبو محمد يا مفرّج الهوا».
وأشارت إلى أن لباس العريس كان طقمًا مع كرافة، وأن الحصان كان يُزيَّن بذهب العروس ونقوط الناس، ويمتطيه العريس ليجول في حارات القرية، فيما كان موعد الزفاف يتم بعد سبعة أيام بلياليها، بعد صلاة العصر.
وعن خروجها من فلسطين، سردت الحاجة فاطمة تفاصيل نكبتها الشخصية، إذ غادرت عام 1972 وهي عروس، مودّعةً أهلها بألمٍ وحسرة، متوجّهةً إلى بيت ابن عمّها أبو العبد، اللاجئ في مخيم النيرب، قرب منزل مختار المخيم الحاج رشيد شريح. وبعد عامٍ من زواجها، زارت أهلها عدّة مرات، مؤكدةً أن نار الشوق كانت تشتعل في قلبها في كل زيارة، شوقًا لشمّ تراب دير الغصون مسقط رأسها.
وعند سؤالها عن العودة إلى فلسطين، أكدت الحاجة موقفها الثابت، قائلة:
«والله لو أعطوني شِبرًا من أرض آبائي وأجدادي، أترك كل شيء… الوطن هو العرض».
وختمت شهادتها برفضها القاطع لأي تعويض، قائلةً بانفعال:
«ما بستغني عن حجر، هاي أرضي تعبت فيها… مستحيل أبيع»،
وأضافت: «مستحيل أتنازل عن حقي بالعودة، هاي وطني… عرضي»،
لتختصر حلمها بعبارة مؤثرة: «كل يوم عن يوم بتصوّرلي أرجع على وطني».
وفي ختام المقابلة، التقط فريق هويّة صورًا تذكارية مع أبنائها عبد اللطيف وسامر، وأحفادها محمود، محمد، وتسنيم، لتبقى هذه اللحظات شاهدًا حيًّا على ذاكرةٍ لم تنكسر، وعلى أناسٍ عشقوا تراب فلسطين وتمسّكوا به حتى الصميم.
