| المقال |
وجوه من القدس: المحامي تامر إبراهيم مليحة.. سادن الحق في حضرة المدينة المقدسة
في حواري القدس العتيقة، حيث تنطق الحجارة بالتاريخ وتفوح رائحة الأصالة من "حارة النصارى"، تُصقل معادن الرجال. ومن قلب "دير مار مرقص" للسريان الأرثوذكس، برزت قامة قانونية وإنسانية لم تكتفِ بحمل الشهادات العليا، بل حملت هموم الإنسان المقدسي وأمانة الأرض؛ إنه الأستاذ المحامي تامر إبراهيم مليحة.
سليل عائلة العلم والبناء
لم يكن بزوغ نجم الأستاذ تامر وليد الصدفة، فهو سليل عائلة عُرفت بالعلم والمهنية؛ والده هو المهندس القدير إبراهيم مليحة، أحد أوائل المهندسين الذين وضعوا بصماتهم الإنشائية في القدس منذ بدايات العمل الهندسي فيها. من هذا البيت العريق، استقى تامر أبجديات الدقة، الإخلاص، وفن التخطيط لمستقبل يخدم مدينته وهويته.
رحلة البحث عن المعرفة: من "المطران" إلى واشنطن
بدأت رحلته التعليمية من صرح "مدرسة المطران" (سانت جورج) العريقة بالقدس، تلك المدرسة التي خرّجت أجيالاً من القادة والمبدعين. ومن ثم شدّ الرحال إلى الأردن ليدرس القانون ليحصل على درجة البكالوريوس (BA)، ولم يقف طموحه عند هذا الحد، بل عبر المحيطات ليكمل دراساته العليا في العاصمة الأمريكية واشنطن، وتحديداً في "الجامعة الأمريكية" (American University)، التي تُصنف كإحدى أهم الجامعات عالمياً في برنامج القانون الدولي، ليعود متسلحاً بأحدث النظريات القانونية والخبرات الدولية.
العودة للجذور: العلم في خدمة المجتمع
خلافاً للكثيرين، آثر الأستاذ تامر العودة إلى مسقط رأسه، القدس. لم تكن عودته مجرد ممارسة للمهنة، بل كانت مشروعاً نهضوياً للوقوف إلى جانب أبناء البلدة القديمة. وبسرعة قياسية، تحول إلى مرجع قانوني وقائد مجتمعي بارز، يضع "الأمانة المهنية" فوق كل اعتبار، مكرساً سمعة طيبة تقوم على الصلابة في الحق والشفافية المطلقة في كل ملف يتولاه.
حارس الأوقاف وروح الأعياد في القدس
في جانب يجسد أسمى صور الانتماء لجذوره، يتجلى دور الأستاذ تامر في تحمله مسؤولية ملف أوقاف الدير المرقسي للسريان الأرثوذكس، بتنسيق دائم وتعاون وثيق مع نيافة المطران مار أنتيموس جاك يعقوب، النائب البطريركي لبطريركية السريان الأرثوذكس في القدس والأردن والأراضي المقدسة.
ولم تقتصر جهوده على الجانب القانوني الصرف، بل هو من الأوائل الذين اهتموا بترتيبات إضاءة شجرة عيد الميلاد في "الباب الجديد"، وتنسيق هذا الاحتفال السنوي الذي بات رمزاً للفرح الصامد في القدس. كما يُعرف بعمله الدؤوب ومتابعته الحثيثة مع كافة النوادي والشبيبة في البلدة القديمة لضمان ترتيبات "سبت النور المقدس"، مؤكداً حضوراً شبابياً ومجتمعياً منظماً في قلب المناسبات الوطنية والدينية.
جسر التواصل: ريادة في الحوار الإسلامي المسيحي
لا يقتصر فكر الأستاذ تامر على العمل المهني الضيق، بل يمتد ليشكل جسراً متيناً للتواصل بين أبناء المدينة بمختلف أطيافهم. فقد آمن بأن قوة القدس تكمن في نسيجها المجتمعي المتلاحم، لذا أولى اهتماماً بالغاً بملف العلاقات الإسلامية المسيحية، متابعاً إياها على الصعد المحلية والعربية من خلال المشاركة الفاعلة في المؤتمرات ذات الصلة. إنه يمثل ذلك الصوت المقدسي الذي ينادي دوماً بترسيخ قيم العيش المشترك وحماية الهوية العربية للمدينة، مؤمناً بأن الدفاع عن المقدسات هو وحدة حال ومصير مشترك.
بصمة في المؤسسات الوطنية والخدمية
تمتد خدمات الأستاذ تامر لتشمل مؤسسات وطنية كبرى لها ثقلها التاريخي، فهو يشغل اليوم منصب أمين سر "المشروع الإنشائي العربي" في أريحا، هذا الصرح التنموي ذو الجذور والمبادرة المقدسية الأصيلة، بالإضافة إلى عضويته الفاعلة في العديد من مجالس الإدارة والجمعيات الخيرية والمجتمعية، مما يجعله رقماً صعباً في معادلة العمل المؤسسي الفلسطيني.
خاتمة
الأستاذ تامر إبراهيم مليحة ليس مجرد قانوني بارع، بل هو نموذج للمثقف المقدسي المشتبك مع قضايا شعبه، الذي سخر علمه ووجاهته لخدمة أهله وحماية إرث الأجداد. إنه وجه ناصع من وجوه القدس، يمنحنا اليقين بأن المدينة ستبقى عزيزة برجالاتها الأوفياء الذين يجمعون بين رقيّ العلم وأصالة الانتماء.
رمزي جريس كربوراني
ابو جريس
القدس في ١ نيسان ٢٠٢٦

|
| Preview Target CNT Web Content Id |
|