هويّة | المشروع الوطني للحفاظ على جذور العائلة الفلسطينية
حلب – مخيَّم النَّيرب
الثلاثاء 28 نيسان / إبريل 2026
توثيق ذاكرة الطِّيرة مع الحاج محمد أحمد أبو حسّان
بعد تنسيق موعد اللقاء مع الحاج محمد أحمد أبو حسّان عبر ابنه الأكبر حسّان، توجَّه فريق مؤسّسة «هويّة» مساء يوم الثلاثاء إلى منزله في مخيَّم النَّيرب. وقد استقبلنا الحاج بحفاوةٍ وترحيبٍ كبيرين، رغم ملاحظة تردّي وضعه الصحّي وثِقَل لسانه. واقترح الفريق تأجيل المقابلة إلى وقتٍ يكون فيه أكثر راحة، إلا أنّه أصرّ على إجراء اللقاء، رغبةً منه في الحديث عن مسقط رأسه قرية الطِّيرة، ولا سيّما أنّ أبناءه يتابعون نشاطات المؤسسة ويثنون على رسالتها.
وفي أجواءٍ من التقدير، عبّر الحاج عن ترحيبه بجهود المؤسسة في توثيق ذاكرة جيل النكبة داخل المخيم، مؤكّدًا أهمية هذه اللقاءات في حفظ التاريخ الشفهي للأجيال القادمة.
ضمن فعاليات المشروع الوطني الهادف إلى توثيق جذور العائلة الفلسطينية، أُجريت المقابلة مع الحاج محمد أحمد أبو حسّان (مواليد الطِّيرة – قضاء حيفا، عام 1941، ويذكر أن تاريخ ميلاده الفعلي 1943).
بداية اللقاء وتوثيق الجذور
استهلّ الحاج المقابلة بابتسامةٍ صادقة، عبّر فيها عن سعادته بزيارة الفريق. وأعاد مندوب المؤسسة التعريف برسالة «هويّة» ومنهجيتها في توثيق جذور العائلات الفلسطينية، والتأكيد على حقّها في الأرض. وفي مستهل الجلسة، جرى تدوين شجرة العائلة كجزءٍ من عملية التوثيق.
وبشوقٍ واضح، بدأ الحاج التعريف بنفسه بصوتٍ منخفض قائلاً:
"أنا محمد أحمد أبو حسّان، من مواليد الطِّيرة، خرجتُ من فلسطين وكان عمري نحو خمس سنوات."
ملامح الطِّيرة في الذاكرة
وصف الحاج قريته الطِّيرة بأنها "جنّة"، مؤكّدًا أنّ من لم يزرها لم يعرف معنى الجمال. وتحدّث عن حياة أسرته، مشيرًا إلى أنّ والده كان ميسور الحال، يمتلك بساتين مزروعة بالزيتون والفواكه، وكان يبيع إنتاجها في مدينتي حيفا وعكّا.
وأضاف أنّ منزل العائلة كان يتكوّن من غرفتين ومرافق، وتحيط به ساحة تُربّى فيها الأغنام والجمال. كما استذكر بعض أسماء الجيران، منهم: أبو الليل والناجي.
البنية والعادات الاجتماعية
أشار الحاج إلى أنّ القرية كانت تتمتّع بمناخٍ جميل ومياهٍ طيّبة "من السماء"، حتى إنّهم كانوا يرتدون الملابس الصيفية في الشتاء. وذكر أنّ كلّ حارة كان فيها مسجد، ولكل عائلة كبيرة مضافة، إضافةً إلى وجود مقامات، منها مقام سيّدنا عيسى عليه السلام.
كما تحدّث عن عمل والده في عصر الزيتون، وعن الأكلات الشعبية، وعلى رأسها "الكروش". إلا أنّ تقدّم سنّه ووضعه الصحي أثّرا على قدرته في استحضار تفاصيل إضافية.
وفيما يخصّ العادات، أوضح أنّ الأهالي كانوا يرتدون الجلابيات، والحطّة، واللفحة، والعقال. وفي شهر رمضان، كان المسحّر يجوب الأحياء قارعًا الطبل لإيقاظ الناس. أمّا الأعراس، فتميّزت بالدبكات الشعبية المختلطة والولائم الكبيرة، إلى جانب الحلويات التقليدية التي كانت تعدّها والدته، مثل المشبّك والكعك بالعجوة.
النكبة ومسار اللجوء
استعاد الحاج مشاهد النكبة، واصفًا القصف العشوائي بالطيران، وما تبعه من نزوحٍ قاسٍ. وأشار إلى أنّ العائلة توجّهت مشيًا نحو لبنان، حيث أقامت لدى أقارب والده، الذي كان منخرطًا مع الثوّار. ومع نفاد الذخيرة واقتحام القرى، عاد المقاتلون للالتحاق بعائلاتهم.
لاحقًا، انتقلت العائلة عبر القطارات إلى سوريا، وصولًا إلى مخيّم النَّيرب في حلب، حيث عاشوا في البركسات والخيام، وسط ظروفٍ صعبة ومعاناة قاسية، في ظلّ الاعتماد على مساعدات وكالة "الأونروا".
حقّ العودة… ذاكرة لا تنطفئ
في ختام حديثه، استعاد الحاج ذكرى أرض العائلة، مشيرًا إلى أنّهم كانوا يملكون "جبل كروم" يُعرف باسم "جبل قوزة"، وقد رفض والده بيعها رغم العروض المغرية.
وعند سؤاله عن إمكانية التنازل عن أرضه، أجاب بثقةٍ راسخة:
"لا، ما بتنازل، ما ببيع، لأن الوطن غالي."
"حقّي ما بنساه."
"إذا تحرّرت بروح على الطِّيرة."
"ؤالله يحرّرنا."
