| المقال |
(رموز فلسطينية)
خالد شاهين(ابو احمد).. هو قامة تربوية ووطنية شامخة كجبال فلسطين.. ولد في دمشق عام 1950 لأسرة فلسطينية تعود جذورها إلى قرية القباعة في قضاء صفد الجليلية، ونشأ في حي ركن الدين بدمشق حيث أمضى طفولته وشبابه. تلقّى تعليمه الابتدائي في مدرسة الطابغة ثم تابع دراسته في إعدادية عبد الكريم الخطابي، قبل أن يكمل المرحلة الثانوية في ثانوية جول جمال.
التحق خالد شاهين (ابواحمد) بكلية العلوم في جامعة دمشق، واختار دراسة الرياضيات التي رافقته شغفاً ومهنةً طوال حياته. وبالتوازي مع دراسته الجامعية وبدايات عمله التدريسي عُيّن في مركز الحاسب الإلكتروني في شارع بغداد، وكان من أوائل العاملين في مجال البرمجة في سوريا، وبالذات البرمجة بلغة «كوبول» على أجهزة شركة NCR وخلال تلك الفترة، خضع لعدد من الدورات المتخصصة في البرمجة واجتازها بتفوق. وكان نتيجتها عدة برامج اساسية لعمل المؤسسات الخدمية في سوريا كمؤسسة الاتصالات وغيرها
ومن نافلة القول أن مادة الرياضيات ظلت شغفه الأكبر، فعاد لاحقا بعد سنوات العمل في البرمجة الى مهنة التدريس التي وجد فيها رسالته الحقيقية. عمل مدرساً لمادة الرياضيات في ثانوية جودت الهاشمي، إحدى أعرق المدارس الثانوية في وسط العاصمة دمشق، كما تولّى إلى جانب تدريس الرياضيات منصب أمين سر في ثانوية محمد بن القاسم الثقفي في حي المالكي الدمشقي.. كان معلماً متميزاً ومربياً قريباً من طلابه، يجمع بين الحزم والإنسانية، ويؤدي عمله بإخلاص ومحبة. لذلك حظي باحترام زملائه وطلابه وكل من عرفه، وبقي أثره حاضراً في ذاكرة أجيال عديدة من الذين تتلمذوا على يديه.
كل من عرف خالد شاهين، عُرف بشغفٍ استثنائي بالقراءة والمعرفة، حتى غدت الكتب رفيقة عمره وخليله على الدوام؛وقد ضمّت مكتبته الخاصة ثروةً معرفيةً واسعة، تنوّعت بين الأدب العربي والعالمي، والتاريخ، والقضية الفلسطينية، والفكر السياسي، والتفاسير، وغيرها من أمهات الكتب والمراجع. ولم يكتفي بالقراءة لنفسه، بل آمن بأن المعرفة رسالة ينبغي أن تتسع للجميع؛ فكان يحثّ الأقارب والأصدقاء وكل من حوله على المطالعة، ويحبّذ أن تكون الهدايا في المناسبات المختلفة كتبًا تتداولها الأيدي والعقول، إيمانًا منه بأن الكتاب خير هدية، وأن القراءة نافذة الإنسان الأرحب إلى العالم.
وقد ظلت فلسطين شغله الشاغل خلال حياته، تتربع في قلبه بمكانة الأم التي منها الأصل والجذور، وبمكانة الابنة التي تستوجب الحنان والرعاية؛ فبقي موصولًا بأرضه، وفيًّا لهويته، يحملها في وجدانه حبًّا لا يخبو وعطفًا لا ينضب؛وتجلّى هذا الوفاء في انتمائه إلى نهج حركة فتح منذ الستينات ، التي آمن بمبادئها ونذر لها جهده وفكره، وقد كان من كوادرها الفاعلة، وعضوًا في عدد من لجانها، كما كان عضوًا في لجنة التعبئة الفكرية والدراسات، مسهمًا في ترسيخ الوعي الوطني وصون الرواية الفلسطينية. وقد خلّف عددًا من المقالات والدراسات المتخصصة ما يهم القضية الفلسطينية، عكست سعة اطلاعه، وعمق معرفته، ورصانة فكره، وإخلاصه لقضيته التي حملها رسالةً ومسؤوليةً حتى آخر أيام حياته.
وعندما رحل بشكل مفاجئ عام 2017، لم يترك وراءه مجرد سنواتٍ من العمل والتدريس، بل أثراً امتد في حياة كثيرين. بقي في ذاكرة طلابه معلماً أحب الرياضيات وأحب طلابه، وبقي في ذاكرة من عرفه إنساناً جعل من المعرفة أسلوب حياة. أما مكتبته، التي رافقته لعقود، فبدت كأنها السيرة الأصدق لرجلٍ قضى عمره باحثاً عن العالم بين صفحات الكتب.
وقبل اشهر من رحيله تم تكريمه من قبل اتحاد المعلمين الفلسطينيين القادم من رام الله الى دمشق بحضور الاخوة ممثلي سفارة دولة فلسطين في سوريا وكذلك ممثلي فصائل منظمة التحرير الفلسطينية و اقليم حركة فتح في سوريا .ووُوري الثرى في دمشق، المدينة التي احتضنت طفولته وشبابه، وعاش فيها أجمل سنوات عمره محاطاً بأسرته وأصدقائه... رحمه الله واسكنه الجنة وهو راية فلسطينية تربوية ووطنية ستبقى في ذاكرة الاجيال .. واللي خلف مامات .
بقلم الكاتب نبيل محمود السهلي
|
| Preview Target CNT Web Content Id |
|