السيدة انتظار محمد غريري تروي ذاكرة مدينة صفد ضمن "هويّة" المشروع الوطني للحفاظ على جذور العائلة الفلسطينية
حمص – مخيّم العائدين
الخميس 30 نيسان / إبريل 2026
ضمن الجولة التوثيقية التي يجريها مندوب مؤسسة "هويّة" الأستاذ زياد غضبان في مخيّم العائدين بمدينة حمص، وضمن فعاليات المشروع الوطني للحفاظ على جذور العائلة الفلسطينية، وثّق فريق المؤسسة شهادة الحاجة انتظار محمد غريري، من مواليد مدينة صفد عام 1946، وذلك في المقابلة الثامنة من سلسلة المقابلات التي ينفذها المشروع في المخيّم.
وجاءت المقابلة عقب الانتهاء من توثيق شهادة الحاج محمد ماجد دياب (أبو محمد)، حيث استضاف فريق التوثيق في منزله، وتناول الجميع طعام العشاء بحضور الحاجة انتظار محمد غريري، التي كانت رفيقة دربه في العمل الوطني ضمن صفوف الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، قبل أن يبدأ اللقاء الخاص بتوثيق شهادتها.
واستُهل اللقاء بالتعريف بمؤسسة "هويّة" ورسالتها في توثيق الذاكرة الشفوية الفلسطينية، وحفظ جذور العائلات الفلسطينية، وصون الرواية التاريخية بوصفها حقًا أصيلًا للاجئين الفلسطينيين، إضافة إلى توثيق الأشجار العائلية باعتبارها جزءًا من الهوية الوطنية وحق العودة. وقد رحّبت الحاجة انتظار بالمشروع، وأكدت أهمية هذا العمل في حفظ تاريخ الشعب الفلسطيني وحقوقه للأجيال القادمة.
وفي بداية المقابلة، جرى توثيق شجرة عائلة غريري ابتداءً من الجد الأكبر محمد، ثم بدأت الحاجة انتظار بالتعريف بنفسها، قائلة: "أنا انتظار محمد غريري، من مواليد مدينة صفد عام 1946."
وأوضحت أنها غادرت صفد وهي في الثانية من عمرها، ولذلك اعتمدت في روايتها على ما سمعته من والديها وخالها، الذي كان يعمل في إذاعة يافا، واستحضرت ما نُقل إليها عن معالم المدينة، مشيرة إلى أن أبرز ما بقي راسخًا في ذاكرتها هو النادي العربي القريب من منزل عائلتها، والذي كان ملتقى للمثقفين والأدباء والشعراء، ومن بينهم محمد ظهوري ومرعي الحوراني، اللذان عملا في مجال التعليم بمدينة صفد.
كما تحدثت عن الأحياء التي كانت تتوزع فيها العائلات، موضحة أن لكل عائلة حارة تحمل اسمها ضمن نطاق حارة الجامع الأحمر، نسبة إلى الجامع الأحمر التاريخي في صفد، والذي ما يزال شاهدًا على تاريخ المدينة.
وتطرقت الحاجة انتظار إلى ملامح الحياة العمرانية والخدمية في صفد قبل النكبة، فأشارت إلى وجود مستشفى كبير، وعدة مدارس ابتدائية وإعدادية، ومدرسة ثانوية واحدة، كما أوضحت – نقلًا عن والدها – أن الكهرباء وصلت إلى المدينة في السنوات الأخيرة التي سبقت التهجير. وأضافت أن شوارع صفد كانت مرصوفة بالحجارة، وأن معظم المنازل كانت تُشيّد بالحجر الأبيض الكبير، مما جعلها في الغالب من طابق واحد، قبل أن يبادر خالها عبد القادر آغا إلى بناء أول منزل ذي طابقين في حارة الأكراد بعد اكتسابه خبرة هندسية من مدينة يافا. كما وصفت السناسل الحجرية التي كانت تتخلل كروم الزيتون، وتمنح المدينة طابعها العمراني المميز.
وفي حديثها عن الحياة الاجتماعية، أوضحت أن أهالي صفد لم يكن لهم زي خاص، بل كانوا يتأثرون باللباس الدمشقي بحكم العلاقات التجارية الوثيقة مع دمشق، حيث كان التجار يجلبون الملابس بصورة منتظمة من سوق الحميدية. كما استعرضت أشهر المأكولات الشعبية التي اشتهرت بها المدينة، ومنها العربية، والكبة بمختلف أنواعها، والمحاشي.
وعن مسيرة التهجير عام 1948، أكدت الحاجة انتظار أن مدينة صفد عاشت ظروفًا مشابهة لما تعرضت له المدن والقرى الفلسطينية الأخرى، مشيرة إلى أن الخوف من المجازر، وفي مقدمتها مجزرة عين الزيتون التي استهدفت شباب ورجال القرية بعد اعتقالهم، كان سببًا رئيسيًا في نزوح السكان. وأضافت أن قوات جيش الإنقاذ أبلغت الأهالي بقرب وصول القوات الصهيونية، فغادروا المدينة سيرًا على الأقدام وسط الأمطار والطين، قبل أن تنقلهم شاحنات إلى لبنان عبر بنت جبيل، ثم إلى دمشق، فحمص، فحماة، فحلب، حيث أقامت عائلتها بدايةً في مخيّم النيرب، ثم في مدينة إعزاز، قبل أن يتمكن والدها من العثور على بقية أفراد العائلة في حمص، ليستقروا في مخيّم العائدين.
وفي ختام المقابلة، جددت الحاجة انتظار تمسكها المطلق بحق العودة، مؤكدة رفضها لأي شكل من أشكال التعويض المالي، وقالت: "ولا مال الدنيا يعوّضني عن صفد، ولا أظن أن أي لاجئ فلسطيني يقبل بديلاً عن وطنه. أنا أريد العودة، لأنها حق مقدس، وهناك بيت وأرض وأملاك أبي وأجدادي، وهذا الحق لا يقبل المساومة."
وتأتي هذه المقابلة ضمن سلسلة اللقاءات التي ينفذها "هويّة | المشروع الوطني للحفاظ على جذور العائلة الفلسطينية"، بهدف توثيق شهادات شهود النكبة، وحفظ الذاكرة الشفوية الفلسطينية، وتوثيق تاريخ المدن والقرى والعائلات الفلسطينية، بما يعزز الرواية الوطنية، ويرسخ حق العودة في وجدان الأجيال القادمة.
