مؤسسة «هويّة» توثّق شهادة الحاج موسى علي عرَّابي من مدينة عكَّا
حمص – مخيّم العائدين | مساء الجمعة 1 أيار/مايو 2026
ضمن فعاليات المشروع الوطني للحفاظ على جذور العائلة الفلسطينية وتوثيق الذاكرة الشفوية لجيل النكبة، واصل مندوب مؤسسة «هويّة» جولته التوثيقية في المحافظات السورية، مستكملاً لقاءاته في مخيّم العائدين بمدينة حمص، حيث أجرى المقابلة الثانية عشرة والأخيرة في المخيّم مع الحاج موسى علي عرَّابي، المولود في مدينة عكَّا عام 1941، وفق ما أوضحه خلال المقابلة، فيما أشار إلى أن سنة 1943 هي سنة الميلاد الفعلية المتداولة في بعض الوثائق.
وجاء اللقاء بعد تنسيق مسبق مع ابن عمّ مندوب المؤسسة في مخيّم حمص، محمود «أبو حمزة غضبان»، حيث توجّه المندوب برفقته، مساء الجمعة، إلى منزل الحاج موسى علي عرَّابي، عقب تناول العشاء في منزل عمّ المندوب، المرحوم شاكر غضبان، في مخيّم حمص.
وكان الحاج موسى في استقبال الفريق بحفاوة وترحاب، مرحّباً بهذه المبادرة التي تهدف إلى حفظ شهادات أبناء جيل النكبة وتوثيق تفاصيل الحياة الفلسطينية قبل عام 1948، ومسيرة اللجوء التي عاشتها العائلات الفلسطينية عقب التهجير.
التعريف بالمؤسسة وتوثيق شجرة العائلة
في مستهل اللقاء، قدّم مندوب مؤسسة «هويّة» تعريفاً بالمؤسسة ورسالتها، ولا سيما في مجال توثيق الذاكرة الشفوية الفلسطينية والحفاظ على جذور العائلات وتاريخها للأجيال القادمة.
كما جرى توثيق شجرة عائلة الحاج موسى علي عرَّابي، بدءاً من الجد الأكبر محمود، ضمن جهود المؤسسة الرامية إلى ربط الذاكرة الشفوية بالتوثيق العائلي وحفظ أسماء الأجداد وتسلسل العائلة.
وأعرب الحاج موسى عن تقديره للجهود التي تبذلها مؤسسة «هويّة»، مشيداً بالمسافة الطويلة التي قطعها فريق التوثيق للوصول إلى حمص والاستماع إلى شهادات كبار السن، وحفظها للأجيال المقبلة.
عكَّا في ذاكرة الحاج موسى
استهل الحاج موسى شهادته بالتعريف بنفسه ومدينة عكَّا التي ولد فيها، مستعيداً تفاصيل كثيرة من طفولته وحياة عائلته داخل المدينة القديمة.
وقال إنه خرج من فلسطين وهو في السابعة من عمره، مؤكداً أن ذاكرته لا تزال تحتفظ بتفاصيل عكَّا ومعالمها وحياة أهلها.
ووصف منزل العائلة بأنه كان كبيراً جداً، ويضم والده وأعمامه وأبناء عمومة والده، وتبلغ مساحته نحو ألف متر مربع، وكان يقع في حارة الشراشحة داخل أسوار مدينة عكَّا.
وأشار إلى مكانة عائلة عرَّابي في المدينة، مستذكراً جدّه الكبير قاسم عرَّابي، الذي قال إنه كان مفتي عكَّا في عهد أحمد باشا الجزّار، كما ذكر عدداً من العائلات التي كانت تجاورهم، ومنها عائلات سالم، وجزّار، والعكّي.
معالم المدينة القديمة
استعاد الحاج موسى في شهادته صورة عكَّا القديمة، مشيراً إلى أنها كانت تقع داخل الأسوار، وتضم أسواقاً وشوارع ومعالم تاريخية بارزة.
ومن بين ما استذكره: سوق الخضار، والشارع الرئيسي، والساحة المجاورة لجامع الجزّار، إضافة إلى جامع الباشا، وحمّام الباشا، وسجن عكَّا.
وتوقف عند سجن عكَّا، مستذكراً إعدام الشهداء محمد جمجوم، وفؤاد حجازي، وعطا الزير عام 1930، موضحاً أن والده روى له لاحقاً تفاصيل مؤثرة عن الشهداء الثلاثة، وأن السجن كان شاهداً على تلك الأحداث، قبل أن يتحول لاحقاً إلى معلم أثري.
كما أشار إلى أن والده وعمّ والد زوجته كانا في السجن في تلك الفترة، على خلفية اتهامات مرتبطة بمقتل يهود.
التعليم والخدمات ودور العبادة
وفي حديثه عن الحياة اليومية في عكَّا، ذكر الحاج موسى وجود المدارس والمستوصفات، موضحاً أنه بدأ بتعلّم القرآن الكريم في الصف الأول، قبل أن تنقطع مسيرته التعليمية بسبب ظروف المرحلة.
وأشار إلى أن من يحتاج إلى العلاج المتخصص كان يتوجه إلى مدينة حيفا، لافتاً إلى أن عكَّا كانت محاطة بالبحر، وتضم عدداً من المساجد وكنيسة واحدة، إضافة إلى الحمامات والأسواق.
كما تحدث عن المضافات العائلية التي كانت حاضرة في الحياة الاجتماعية، موضحاً أن لكل عائلة مضافة، وكانت مضافة عائلة عرَّابي تجمع أفراد العائلة بصورة دورية، في إطار من الترابط والتواصل الاجتماعي.
إدارة المدينة والعادات والتقاليد
أوضح الحاج موسى أن عكَّا لم يكن فيها مختار بالمعنى المتعارف عليه، بل كان البريطانيون يعتمدون على كبار القوم وأصحاب النفوذ ورؤوس الأموال ليكونوا واجهة للأحياء والمناطق.
واستذكر في هذا السياق عمّه يوسف عرَّابي «أبو محمد»، الذي قال إنه كان مسؤولاً عن الأمن في مدينة عكَّا.
أما في ما يتعلق بالعادات والتقاليد، فأوضح أن حفلات الزفاف لم تكن تُقام عادةً داخل المدينة، بل كانت الأعراس تُقام في القرى، مستذكراً شهرة الأهالي بالدبكة والاحتفالات الشعبية.
وأشار إلى عادة كانت متداولة في قرى عكَّا، مفادها أنه إذا تزوّج أحد أبناء قرية من فتاة من قرية أخرى، فلا يتم الزفاف إلا بعد أن يحمل أحد أهالي العريس «الشَّرعة»، وهي حجر كبير، إلى القرية الأخرى، في تقليد شعبي يعكس طبيعة العلاقات الاجتماعية بين القرى.
الأكلات الشعبية وطقوس الأعياد
وتحدث الحاج موسى عن عدد من الأكلات الشعبية التي اشتهر بها أهالي عكَّا، وفي مقدمتها الصيّادية وأنواع الأسماك، مؤكداً أنه لا يزال محافظاً على هذه الأكلات حتى اليوم.
كما استعاد أجواء الأعياد في عكَّا، بما كانت تشهده من سهرات وحلويات وألعاب ومراجيح، إلى جانب الملابس الشعبية التي كان يرتديها الرجال، ومن بينها الشروال الطويل.
من عكَّا إلى مخيّم العائدين
انتقل الحاج موسى في شهادته إلى الحديث عن المرحلة التي سبقت التهجير، مستذكراً المعارك التي دارت بين الثوار الفلسطينيين والقوات البريطانية، وما رافقها من دخول المنظمات الصهيونية المسلحة، ومن بينها منظمة «الهاغاناه».
وقال إن العائلة خرجت من عكَّا تحت وطأة أصوات الرصاص والخوف، في ظل الأحداث والمجازر التي شهدتها فلسطين في تلك الفترة، مستذكراً مجزرة دير ياسين بوصفها واحدة من الأحداث التي تركت أثراً عميقاً في نفوس الفلسطينيين.
وأشار إلى أن عكَّا كانت محاصرة في تلك المرحلة، وأن رحلة اللجوء بدأت سيراً باتجاه الأردن، قبل أن تتواصل رحلة العائلة بالقطار نحو سورية.
وأوضح أن اللاجئين كانوا يُنقلون على دفعات عبر المحافظات السورية، من دمشق وصولاً إلى حلب، وكان نصيب عائلته الاستقرار في حمص.
ويستعيد الحاج موسى مشهد الوصول إلى حمص، حيث وجد اللاجئون الشوادر والخيام التي أُقيمت لاستقبالهم، متنقلين من خيمة إلى أخرى ومن جامع إلى آخر، قبل أن يستقروا في الموقع الذي أصبح لاحقاً مخيّم العائدين، والذي كان في الأصل معسكراً للجيش الفرنسي، وكانت البركسات فيه مخصّصة لخيول الجيش.
«ما بتنازل عن حبّة تراب من فلسطين»
وفي ختام المقابلة، برز موقف الحاج موسى الواضح من قضية حق العودة، حيث رفض بشكل قاطع فكرة التعويض المالي مقابل التنازل عن أرضه ومدينة عكَّا.
وقال:
«والله إذا بعطوني مال العالم بأسره، ما بتنازل عن حبّة تراب من فلسطين».
وأضاف:
«إذا تحرّرت، أول بني آدم برجع، لو بدي أموت بس أفوتها».
وتابع مؤكداً تمسّكه بوطنه ومدينته:
«ببيع الدنيا كلّها، بس بدي أرجع على فلسطين وعلى مدينة عكَّا».
وختم موقفه بالتأكيد:
«أنا متمسّك بحق العودة، ولا أتنازل عنه ولا ميلي».
وتأتي شهادة الحاج موسى علي عرَّابي في ختام سلسلة اللقاءات التي أجراها مندوب مؤسسة «هويّة» في مخيّم العائدين بحمص، ضمن مسار توثيقي يهدف إلى حفظ الذاكرة الفلسطينية الشفوية، وتسجيل تفاصيل الحياة في المدن والقرى الفلسطينية قبل النكبة، وتوثيق مسارات التهجير واللجوء، وربطها بجذور العائلات الفلسطينية وحقها التاريخي في العودة إلى أرضها وديارها.
