ضمن سلسلة لقاءات شهود النكبة.. «هوية» توثّق شهادة الحاج خليل القشاش من قرية عنابة قضاء الرملة
ضمن سلسلة لقاءات مؤسسة «هوية» لتوثيق شهادات شهود النكبة وحفظ الرواية الشفوية الفلسطينية، التقى مندوب المؤسسة في الأردن، يوم الأربعاء 26 آب/أغسطس 2026، الحاج خليل محمد حسن القشاش، في مكان إقامته بمنطقة جبل الزهور في العاصمة عمّان، حيث روى تفاصيل من ذاكرته عن مسقط رأسه قرية عنابة، قضاء الرملة، التي وُلد فيها عام 1943، مستعيدًا ملامح الحياة فيها قبل النكبة، وتفاصيل خروج عائلته منها ومحطات اللجوء التي عاشها.
عنابة.. قرية زراعية نابضة بالحياة
استهل الحاج خليل شهادته بالحديث عن طبيعة عنابة، موضحًا أنها كانت تقع في منطقة سهلية، وكانت الزراعة من أبرز مصادر رزق أهلها، حيث اشتهرت بزراعة الخضروات والحبوب والأشجار المثمرة، إلى جانب تربية النحل في المزارع.
وأشار إلى أن القرية كانت تعتمد على الآبار لتوفير المياه، مستذكرًا بئرًا داخل إحدى البيارات كان يستخدم في ري أجزاء من القرية. كما تحدث عن وجود مصنع للإسمنت في عنابة، كان يزوّد مناطق مختلفة في فلسطين.
وعن الحياة الاجتماعية، أوضح أن عائلة القشاش كانت تقيم في وسط القرية، وكان منزلهم مبنيًا من الحجر ومطليًا بالجير، ويتوسطه حوش كبير يضم مجموعة من البيوت، فيما كانت العائلات متجاورة ومترابطة، ومن بينها القشاش، والكسجي، وعبيد، وطمليه، والخوار، وغيرها.
واستذكر عددًا من جيرانهم، منهم موسى عيسى، وسليمان طمليه، ومصطفى طمليه، وأبو صبحي طمليه، إضافة إلى منزل خالته الذي كان قريبًا منهم.
المدارس والأسواق والحياة اليومية
يستعيد الحاج خليل من طفولته صورة عنابة كقرية نشطة، كان فيها عدد من المدارس الابتدائية، وقد درس فيها في طفولته، وكان يذهب إلى المدرسة برفقة شقيقه الأكبر.
وذكر أن مدير المدرسة كان علي بدوان، كما استذكر أحد المعلمين، حسن، من قرية النعاني. وكانت المدارس مبنية من الحجر وواسعة، وتضم ملاعب.
كما كانت في القرية دكاكين تخدم السكان، من بينها دكان أحمد سليمان أبو عطية القريب من منزل العائلة، إضافة إلى الحلاقين، ومنهم حلاق من عائلة الصوفي، وكان الحلاق يؤدي كذلك مهنة الختان، وفق ما يتذكره.
وكان سكان القرية يجتمعون مساءً في الساحات، في مشهد يعكس طبيعة الحياة الاجتماعية التي كانت تجمع أبناء عنابة. ومن المخاتير الذين يستذكرهم الحاج خليل مصطفى طمليه.
النكبة وبداية الخروج
وعند انتقاله إلى الحديث عن أحداث النكبة، أوضح الحاج خليل أن القرية تعرضت لهجمات من القوات اليهودية، ما دفع أهاليها إلى تنظيم مجموعات للدفاع عنها، حيث جرى اختيار شخص من كل عائلة، وكانوا مسلحين ويتولون حراسة القرية والتصدي للهجمات.
ويستذكر الحاج خليل الطائرات التي كانت تحوم فوق القرية وتراقب المسلحين، مشيرًا إلى أن أخبار مجزرة دير ياسين وما رافقها من حالة خوف ورعب كانت من العوامل التي أسهمت في دفع السكان إلى مغادرة القرية، بالتزامن مع الهجمات التي تعرضت لها عنابة.
وكان الحاج خليل في تلك الفترة طفلًا، فخرج مع والدته وإخوته وخالته وجده، وحملوا معهم ما خفّ حمله، وهم يعتقدون أن مغادرتهم ستكون مؤقتة وأنهم سيعودون إلى منازلهم بعد فترة قصيرة.
ويقول إنهم غادروا القرية سيرًا على الأقدام باتجاه عين عريك، حيث أقاموا قرابة عام، وكانت العائلة تنام في مطبخ صغير كان قد أُخلي من قبل أصحابه، بعدما أخرجوا منه بغلة كانت موجودة فيه.
من عين عريك إلى مخيم الأمعري
بعد نحو عام في عين عريك، انتقلت العائلة إلى الجلزون، ثم إلى البيرة، قبل أن تستقر لاحقًا في مخيم الأمعري، حيث عاش الحاج خليل وعائلته حتى عام 1965.
وخلال فترة وجوده في المخيم، تابع الحاج خليل تعليمه، وحصل على دبلوم في المساحة من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا).
وبعد تخرجه عام 1965، توجه إلى عمّان للعمل، واستقرت العائلة في منطقة جبل النظيف، لتبدأ مرحلة جديدة من حياته بعيدًا عن مسقط رأسه.
«بلادنا جنة.. وأنا مستعد أرجع مباشرة»
ورغم مرور عقود على مغادرته عنابة، يؤكد الحاج خليل أن ارتباطه بقريته لم ينقطع، مشيرًا إلى أن والده كان يمتلك فيها نحو 81 دونمًا من الأرض.
ويختتم شهادته بكلمات تعبّر عن عمق ارتباطه بالأرض، قائلًا:
«أنا ما بنسى مسقط رأسي. كان لوالدي 81 دونمًا فيها. نفسي أروح عليها وأموت فيها. بلادنا جنة، والله مستعد أرجع مباشرة.»
وتأتي شهادة الحاج خليل ضمن جهود مؤسسة «هوية» في توثيق الرواية الشفوية الفلسطينية، وحفظ شهادات من عايشوا النكبة، بما يسهم في نقل تفاصيل الحياة الفلسطينية قبل عام 1948، وتوثيق ذاكرة القرى والمدن والأجيال التي عاشت تجربة اللجوء والاقتلاع.
