طبيب من وطني
الاستاذ الدكتور باسمُ الدجّاني: عقلٌ علميٌّ، وضميرٌ نقابيٌّ، ورسالةٌ وطنيّةٌ لا تغيب
ثمّةُ شخصيّاتٍ لا تُقاسُ بحجمِ مناصبِها أو ألقابِها الأكاديميّة، لأنّها أكبرُ من العنوان، وأعمقُ من الوظيفة، وأبقى من اللّحظة. من هذا الطِّرازِ ينتمي الأستاذُ الدكتورُ باسمُ محمّدٌ ربحيُّ كمالُ الدِّينِ الدجّاني - رحمه الله - الطبيبُ الذي رأى في الطِّبِّ علمًا ومسؤوليّة، وفي النِّقابةِ ضميرًا وطنيًّا، وفي القيادةِ رسالةً أخلاقيّة، وفي الحياةِ ميدانًا للالتزامِ والمثابرة. وُلِدَ الدكتورُ باسمُ الدجّاني في القدسِ عامَ 1942، وتلقّى تعليمَه في كليّةِ المقاصدِ الإسلاميّةِ في بيروتَ بين عامَي 1948 و1958، ثمّ حصل على البكالوريوسِ في الطِّبِّ البشريِّ من الجامعةِ الأمريكيّةِ في بيروتَ عامَ 1966، والبوردِ الأمريكيِّ في الأمراضِ الداخليّةِ عامَ 1972، ثمّ البوردِ الأمريكيِّ في الحساسيّةِ وعِلمِ المناعةِ عامَ 1974.
عادَ إلى الأردنِّ عامَ 1977 حامِلًا خبراتِه الواسعةَ ورؤيتَه الطموحةَ لتطويرِ التعليمِ الطِّبّيِّ وإحداثِ ثورةٍ علميّةٍ في كليّةِ الطِّبِّ بالجامعةِ الأردنيّة، حيثُ أسّسَ ثقافةً بحثيّةً ومنهجيّةً لم تكن موجودةً سابقًا، وعلَّمَ زملاءَه كيفيّةَ كتابةِ الأوراقِ العلميّة، وأدخلَ الجولاتِ الصباحيّةَ والمجلّاتِ الطِّبّيّةَ أدواتٍ تعليميّةً لتعزيزِ التفكيرِ النَّقديِّ والتخصّصيِّ.
أسّسَ الدكتورُ باسمُ المستشفى الإسلاميَّ في عمّانَ عامَ 1982 مع مجموعةٍ من الزملاءِ المخلصين، ليصبحَ صرحًا طبّيًّا يجمعُ بين أصالةِ القيمِ الإسلاميّةِ وأحدثِ المعاييرِ الطِّبّيّةِ العالميّة. وكان حرصُه على التفاصيلِ اليوميّةِ للعملِ والاستمرارِ في متابعةِ الأداءِ الطِّبّيِّ والتدريبيِّ علامةً على التزامِه العميق، إذ كان يتابعُ سيرَ العملِ يوميًّا ويجتمعُ أسبوعيًّا مع إدارةِ المستشفى لمناقشةِ القضايا التشغيليّةِ والتدريبيّة، رغم معاناتِه من مرضِ السُّكّري. ومن المواقفِ التي تُلخّصُ علوَّ كفاءتِه الطِّبّيّةِ والعمليّةِ والإنسانيّة، وأثناءَ دراستِه لعطاءِ المستشفى مع فريقِه، استدعاؤُه من قبلِ الملكةِ نورِ الحسينِ عامَ 1982 (بعد أن استشارتِ الملكةُ طبيبًا مشهورًا في بريطانيا، فأجابَها بأنّ لديها طبيبًا في الأردنِّ اسمه الدكتورُ باسمُ الدجّاني، من افضل الأطباء في تخصص امراض الحساسية )، لمعالجةِ الأميرِ حمزةَ الذي كان يعاني من الحساسيّة، فأجرى العلاجَ اللازمَ، ثمّ عادَ في اللّيلةِ نفسها لاستكمالِ مهمّتِه في دراسةِ العطاءات، مُجسِّدًا التزامَه المهنيَّ والأخلاقيَّ وحرصَه على الواجبِ العامّ.
شغلَ الدكتورُ باسمُ مناصبَ عدّة، بينها المديرُ الفنّيُّ ثمّ رئيسُ مجلسِ إدارةِ المستشفى الإسلاميّ، حيثُ وضعَ معاييرَ صارمةً للجودة، واستقطبَ أفضلَ الكفاءات، وجعلَ المستشفى مركزًا تدريبيًّا وتعليميًّا للأطبّاءِ المقيمين، مؤكّدًا أنّ حقوقَ المرضى وأهميّةَ التعليمِ الطِّبّيِّ المستمرِّ فوقَ أيِّ اعتبارٍ شخصيّ. كما شغلَ منصبَ نقيبِ الأطبّاءِ الأردنيّين بين عامَي 1995 و1999، في مرحلةٍ حسّاسةٍ من تطوّرِ المهنة، حيثُ واجهَ تحدّياتٍ تتعلّقُ بتحسينِ بيئةِ العملِ للأطبّاءِ وضمانِ حقوقِهم، ورفعِ مستوى جودةِ الخدماتِ الصحيّة، مع المحافظةِ على التوازنِ بين مصالحِ الأطبّاءِ ومتطلّباتِ الصحّةِ العامّة. وتميّزت قيادتُه النقابيّةُ بالهدوءِ والحِكمةِ والصرامةِ الأخلاقيّة، واعتمدَ الحوارَ الصريحَ أسلوبًا رئيسيًّا للتعاملِ مع المشكلات، مؤكّدًا أنّ النقابةَ ليست منصّةَ صراع، بل مؤسّسةٌ وطنيّةٌ تُوازنُ بين حقوقِ الأطبّاءِ وحقِّ المجتمعِ في الرعايةِ الصحيّة، وترفعُ الروحَ المعنويّةَ للأطبّاءِ، مع تعزيزِ المهنيّةِ والاحترافيّة، والحفاظِ على قيمِ النزاهةِ والاستقامة، ودعمِ التعليمِ الطِّبّيِّ المستمرِّ وبرامجِ الإقامةِ والتدريبِ للأطبّاءِ.
امتدَّ حضورُه إلى العملِ العربيِّ من خلال عضويّتِه في المجلسِ الأعلى لاتحادِ الأطبّاءِ العرب، وأمينًا عامًّا مساعدًا، ومشاركتِه في لجنةِ التعريب، ودعمِه للقضيّةِ الفلسطينيّةِ عبرَ اللجنةِ الأردنيّةِ لدعمِ القطاعِ الصحيِّ في غزّة، مؤكّدًا أنّ الالتزامَ الوطنيَّ والسياسيَّ امتدادٌ طبيعيٌّ للقيمِ الإنسانيّةِ والمهنيّةِ التي آمنَ بها طوالَ حياتِه.
كان الدكتورُ باسمُ موسوعيَّ المعرفة، يجمعُ بين الطِّبِّ والفيزياء والكيمياء والأحياء والفلسفة والدِّين والأدب والشِّعر بالعربيّة والإنجليزيّة، مع تواضعٍ دائمٍ يردِّدُ فيه: «ذلكَ الفضلُ من الله». ضعفُ البصرِ لم يمنعْه من رؤيةٍ أوسعَ من التفاصيل، ولا من بصيرةٍ لم يحدَّها أيُّ ظرفٍ صحيٍّ أو مسؤوليّة. وبرحيلِه عامَ 2019، فقدت نقابةُ الأطبّاءِ والأردنُّ نموذجًا للقيادةِ الأخلاقيّة، وللطبيبِ الذي جمعَ بين العلمِ والمعرفة، والإنسانيّةِ والوطنيّة، والتفاني في العملِ والنزاهة، تاركًا إرثًا خالدًا في التعليمِ الطِّبّيِّ والخدمةِ المجتمعيّة، ودرسًا مستمرًّا في تحويلِ المعرفةِ إلى خدمة، والطموحِ إلى مسؤوليّة، والمهارةِ إلى رسالةٍ وطنيّةٍ وأخلاقيّة.
إعداد / د.منير عقل
…..……….
اعتمدنا في ترجمة الدكتور باسم الدجاني على كتاب "دور الحركة الإسلامية في الأردن في المجال الصحي " تأليف : د.منير عقل وآخرون
