في ليلةِ الجمعة المباركة، مساء الخميس التاسع والعشرين من تشرين الأوّل/أكتوبر 2026،
وبعد أداء صلاة العشاء في مسجد فلسطين القريب من منزلها، زار فريق مؤسّسة «هويّة» الحاجة أم بسّام قدّورة في بيتها المتواضع، رغم تدهور حالتها الصحيّة وضعف ذاكرتها وخفوت صوتها.
وبرغم التعب الذي أثقل جسدها، أصرّت الحاجة على استقبال فريق «هويّة»، في جلسةٍ إنسانيّة امتزج فيها التوثيق بالذاكرة، والسيرة الشخصيّة بتاريخ وطنٍ لم يغادر أهله، مهما طال المنفى.
في مستهلّ اللقاء، جرى التعريف بمؤسّسة «هويّة» ومنهجيّتها في توثيق جذور العائلات الفلسطينيّة، وأهميّة حفظ الذاكرة العائليّة بوصفها جزءًا لا يتجزّأ من الأرشيف الوطني الفلسطيني. كما جرى تدوين شجرة العائلة بمساعدة ابنها.
بعدها بدأت الحاجة روايتها، معرّفةً بنفسها قائلة:
“أنا هدى سليم منصور، من مواليد عام 1939، من قرية طيرة حيفا.”
وأوضحت أنّها خرجت من فلسطين وهي في الثامنة من عمرها. كان منزل أهلها يتألّف من ثلاث غرف وساحة دار. توفّي والدها وهي بعمر أربعين يومًا، فتولّت والدتها تربيتها، حيث كانت ترعى الغنم، وتعمل في قطف الزيتون وحصاد القمح. وذكرت من جيرانهم عائلات: الناجي، الدعّاس، عمّورة وغيرهم.
تستعيد الحاجة ذاكرتها بصعوبةٍ بالغة، فتحدّثت عن دراستها حتى الصفّ الأوّل في مدارس الطيرة، وعن لعبها مع صديقاتها تحت أشجار الزيتون والتين في روابي القرية. كما أشارت إلى طحن القمح يدويًّا، ووجود مطحنة قمح في القرية، وتحدّثت عن مشاركتها والدتها في تحويش الزيتون، ونشره، ثم عصره في المعصرة، وحفظ الزيت في خوابي كبيرة.
أما عن عادات أهل القرية، فذكرت أنّ لباسهم كان يتميّز بالشروال والكلابيّات، مع وضع الحزّامات.
ورغم وهن صوتها وتردّي صحّتها، سرحت الحاجة طويلًا في ذكريات شهر رمضان، وارتسمت ابتسامة على وجهها حين تذكّرت نداء المؤذّن قبيل الغروب:
“أذِّن يا خطيب… قبل ما الشّمس تغيب.”
كما استرجعت ذكرياتها في خبز الكعك والمعمول مع والدتها في ليالي العيد.
النكبة ومسارات اللجوء
عن نكبة عام 1948، قالت الحاجة:
خرجنا ليلًا تحت القصف والقتل، في برد أيّار، نركض حفاةً، والشوك ينهش أقدامنا. ومن شدّة القصف المتواصل، مرّت فوق الشريط الشائك، فتمزّق حجابها وملابسها. خرجنا مع جموع الناس والجيران إلى مدينة صور في لبنان، ومن هناك نُقلنا بقطار الحيوانات إلى مدينة حلب في سورية.
وهناك بدأت فصول المعاناة في اللجوء، حيث سكنت مع عائلتها في البركس رقم 39، وسط لهفة أهالي القرى لمساعدتهم، وتوزيع الملابس والطعام عليهم. كما استذكرت موجة الثلج الأقسى التي ضربت حلب، وراح ضحيّتها سبعة أطفال.
في ختام اللقاء، وعند سؤالها عن التعويض مقابل مسقط رأسها طيرة حيفا، انتفضت الحاجة رافضةً بحزم:
“لا… ما ببيعها… هي بلدي… حدا ببيع عرضو؟ بلدنا هاي.”
وأضافت بصوتٍ متهدّج:
“إذا تحرّرت برجع… حلم العودة موجود… إن شاء الله منرجع.”
لم تكن شهادة الحاجة غزيرةً في تفاصيل الزمان والمكان، بقدر ما كانت صادقةً في نبض الكلمات، ومشحونةً بحبٍّ عميقٍ لفلسطين لم يخفت مع السنين؛
وطنٌ يسكن ذاكرتها اليوميّة، وتفيض به عيناها كلّما استعادت طفولتها، وحارتها، وجيرانها.
