عائلة ناصر في بيرزيت… جذور راسخة في التاريخ الوطني

الشهيد كمال ناصر - اغتيل في بيروت عام 1973
تُعدّ عائلة ناصر من العائلات المسيحية القديمة في بلدة بيرزيت، وقد عُرفت بحضورها الديني والتربوي والوطني الممتد عبر أجيال. ويأتي توثيق تاريخها في سياق إبراز دور العائلات الفلسطينية في صناعة الوعي الوطني، لا من خلال فرد واحد، بل عبر مسار عائلي متكامل شكّل جزءاً من تاريخ فلسطين الحديث.
كمال ناصر… بين الكلمة والبندقية
وُلد الشهيد كمال بطرس إبراهيم يعقوب ناصر عام 1924 في مدينة غزة، حيث كان والده بطرس يعمل آنذاك، لأسرة تعود جذورها إلى بيرزيت. والدته وديعة ناصر، وله شقيقان: سامي ووديع، وثلاث شقيقات: ألين، لوريس، وسلوى. تلقّى تعليمه في مدرسة بيرزيت، ثم تابع دراسته في الجامعة الأميركية في بيروت، ونال عام 1945 شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية، وبرز مبكراً شاعراً وصحفياً قبل أن يتقدم في العمل الوطني الفلسطيني.
في 10 نيسان/أبريل 1973 اغتالت قوة كوماندوز إسرائيلية الشاعر والقيادي الفلسطيني كمال ناصر في بيروت، ضمن عملية "فردان"، حيث تسللت القوة بحراً واستهدفت شقته مع القائدين كمال عدوان ومحمد يوسف النجار، اعتماداً على معلومات استخباراتية دقيقة وفّرتها عميلة للموساد. شكّل اغتياله محطة مفصلية في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، ورسّخ اسمه في سجل الشهداء القادة.
الجذور العائلية
تعود أصول العائلة إلى الجد ناصر خليل ناصر، الذي يظهر له في شجرة العائلة ثلاثة أبناء رئيسيين شكّلوا فروعها الكبرى:
- عيسى، ومن ذريته يعقوب، ثم إبراهيم، ومنه الشهيد كمال بطرس إبراهيم يعقوب ناصر.
- خليل، ومن أبنائه: سلامة، ناصر، أندراوس، جريس، صالح، وسمارة.
- موسى، ومن أبنائه: يوسف، سليمان، داود، الخوري بطرس، والقس حنا.
وقد بادرت العائلة منذ وقت مبكر إلى جمع شجرة نسبها، وهو جهد يعكس وعياً مبكراً بأهمية التوثيق. ومع العودة إلى سجلات النفوس العثمانية الخاصة بأقضية فلسطين في أواخر العهد العثماني، أمكن إضافة أسماء جديدة إلى الشجرة، ولا سيما أسماء الإناث التي غالباً ما كانت تغيب عن التدوين التقليدي. ويُعد تثبيت أسماء النساء جزءاً أصيلاً من تثبيت الحق التاريخي للعائلة في هذه الأرض.
كما برز في تاريخ العائلة حضور اجتماعي وتربوي لعدد من سيداتها، في انعكاس لدور المرأة الفلسطينية في التعليم وخدمة المجتمع منذ بدايات القرن العشرين.
الحضور الديني والتربوي والوطني
برز من فروع العائلة عدد من الرموز الدينية، من بينهم القس حنا موسى ناصر والخوري بطرس ناصر، وقد ارتبط اسماهما بخدمة الطائفة الإنجيلية العربية في فلسطين.
ومن الشخصيات الوطنية البارزة موسى حنا ناصر، الذي تلقّى تعليمه في القدس ثم في الجامعة الأميركية في بيروت وتخرّج عام 1914 في العلوم. تولّى مناصب إدارية ووطنية منذ عشرينيات القرن الماضي، وبرز بمواقفه الوطنية، ولا سيما خلال أحداث عام 1936، ثم باستقالته احتجاجاً على سياسات الانتداب البريطاني. بعد النكبة شارك في العمل النيابي والوزاري، ومثّل بلاده في المحافل الدولية، وأسهم في تطوير التعليم العالي، فكان له دور في رئاسة كلية بيرزيت والمساهمة في تأسيس الجامعة الأردنية، جامعاً بين العمل العام وخدمة التعليم.
ومن الامتداد الأكاديمي للعائلة أيضاً حنا موسى حنا ناصر، الذي تخصّص في الفيزياء النووية وترأس جامعة بيرزيت لسنوات طويلة، مستكملاً مساراً تعليمياً بدأته العائلة منذ مطلع القرن العشرين.
أما إليزابيث حنا موسى ناصر، المعروفة بـ“مس ناصر”، فقد شكّلت نموذجاً تربوياً بارزاً. وُلدت في نابلس عام 1906، وعملت في التعليم سنوات طويلة، وأسهمت في تخريج أجيال من الطلبة، مجسّدة صورة المعلمة الوطنية التي كرّست حياتها لخدمة المجتمع وبناء الإنسان.
إن توثيق عائلة ناصر يكشف عن تداخل النسب بالتاريخ العام، فالعائلة لم تكن مجرد إطار اجتماعي، بل حاضنة لأدوار دينية وتربوية ووطنية أسهمت في تشكيل الوعي الفلسطيني. ومن خلال تتبع شجرتها وأدوار رموزها، يتضح أن حضورها لم يكن عابراً، بل امتداداً متصلاً لجذور راسخة في أرض بيرزيت وفلسطين.

أفراد من عائلة ناصر في حديقة منزلهم في بيرزيت 1951