عمر حسين خريس… سيرةُ معلّمٍ وجذورُ عائلة

#هوية
25/2/2026
رحل في الثاني من شهر رمضان الداعية والمربي الفلسطيني عمر حسين خريس في جمهورية غامبيا، بعد أكثر من خمسين عاماً قضاها في خدمة اللغة العربية والتعليم في غرب إفريقيا. بدأ رحلته هناك مطلع سبعينيات القرن الماضي، في بلدٍ كان يرسّخ الإنجليزية لغةً رسمية بعد خروجه من الاستعمار البريطاني، بينما ظل التعليم العربي محدوداً ومحاصراً. لم يكن معه في بداياته سوى عزيمة صلبة وإيمان عميق برسالته، فكان يدرّس تحت الأشجار، ويشق طريقه بإمكانات بسيطة، حتى صار اسمه مرتبطاً بمسار التعريب والتعليم في غامبيا.
لكن سيرة عمر خريس لا تبدأ من غرب إفريقيا، بل من فلسطين؛ من قرية قسطينة في السهل الساحلي الجنوبي، القرية التي هُجّر أهلها عام 1948 ودُمّرت بيوتها وأُقيمت المستوطنات على أنقاضها. هناك، في تلك الأرض التي غُيّبت معالمها، كانت جذور العائلة. ومثل كثير من العائلات الفلسطينية، حملت عائلة خريس ذاكرتها معها إلى المنافي، لتبقى القرية حيّة في الأسماء والقصص والحنين.
من هنا، يأتي دور “هوية”. فحين نودّع شخصية فلسطينية تركت أثراً في ميادين بعيدة، لا نتوقف عند سيرتها الفردية فقط، بل نعود إلى أصل الحكاية: إلى العائلة. لأننا نؤمن أن كل عائلة فلسطينية هي جزء من السردية الوطنية الكبرى، وأن توثيق تاريخها هو ردّ عملي على محاولات الطمس والمحو.
بحثت “هوية” في سجلات النفوس العثمانية للفترة الممتدة بين 1905 و1916، فعثرت على خيوط واضحة لشجرة عائلة خريس في قسطينة، تعود إلى ذرية الجد إبراهيم خريس وزوجته المعروفة بـ“ست البنات”. وتظهر في السجلات أسماء عبد العزيز خريس وزوجتيه حمدة وزهرة، وعبد المجيد خريس وزوجته عيشة، وعبد الجواد خريس وزوجتيه صبحة وست البنات، وأحمد خريس وزوجته هادية، إلى جانب عشرات الأسماء الأخرى، ليبلغ عدد من أمكن رصدهم قرابة ثلاثين فرداً في تلك المرحلة وحدها.
هذه الأسماء ليست مجرد بيانات أرشيفية؛ إنها وجوهٌ كانت تمشي في طرقات قسطينة، وبيوتٌ كان لها أبواب ونوافذ، وعائلاتٌ امتدّت ذريتها في فلسطين والشتات. وما جمعناه حتى الآن هو خطوة في مسار أطول، يحتاج إلى تعاون أبناء العائلة لإكمال الصورة واستعادة ما تبقى من تفاصيل.
إن توثيق عائلة خريس، كما غيرها من العائلات، ليس عملاً تاريخياً فحسب، بل هو فعل صونٍ للذاكرة في وجه النسيان، وإثباتٌ أن القرى التي دُمّرت ما زالت حاضرة بأسمائها وأبنائها. ورحيل عمر حسين خريس يذكّرنا بأن من حملوا رسالتهم إلى أقاصي الأرض ظلوا متصلين بجذورهم الأولى، وأن الشجرة التي اقتُلعت من أرضها ظلّت تنبت في أماكن أخرى، لكنها لم تنسَ موضعها الأصلي.