هويّة | المشروع الوطني للحفاظ على جذور العائلة الفلسطينية
حلب – مخيم النيرب
الاثنين 13 نيسان / إبريل 2026
ضمن فعاليات المشروع الوطني لتوثيق الذاكرة الشفوية الفلسطينية، أجرى فريق “هويّة” مقابلة توثيقية مع الحاجة عائدة أديب شريح، من مواليد بلدة ترشيحا عام 1938، وذلك بعد التنسيق المسبق مع نجلها الأستاذ عصام يوسف.
ففي يوم الاثنين الموافق 13 نيسان / إبريل 2026، توجّه مندوب المؤسسة في حلب، الأستاذ زياد غضبان، لإجراء اللقاء في منزلها ضمن أجواء ربيعية هادئة، حيث استقبلت الحاجة الفريق بترحابٍ كبير، واستعادت بشغف ملامح مسقط رأسها بلدة ترشيحا.
توثيق الجذور العائلية
استهلّ الفريق اللقاء بالتعريف بمؤسسة «هويّة» ومنهجيتها في توثيق جذور العائلات الفلسطينية، والتأكيد على حقّ الشعب الفلسطيني في أرضه. وخلال الجلسة، جرى تدوين شجرة عائلة الحاجة عائدة، الممتدة إلى الجدّ الأكبر (سليم)، إضافة إلى توثيق نسب عائلة زوجها المرحوم الحاج صلاح سليم يوسف، الذي تعود أصوله إلى عائلة (الحاج قاسم)، المتفرعة إلى ثلاثة فروع: يوسف، يونس، وقاسم.
ذاكرة المكان: ترشيحا كما روتها الحاجة
عرّفت الحاجة بنفسها قائلة:
"أنا عائدة أديب شريح، من مواليد ترشيحا عام 1938، خرجتُ منها وأنا في التاسعة من عمري."
واستعادت تفاصيل الحياة في البلدة، حيث وصفت منزل العائلة بأنه كان يتألف من غرفتين واسعتين وساحة كبيرة مزروعة بالأشجار، مبنيّ بالحجر، وسقفه من الطين والخشب. وكان يقع في الجهة الشرقية من البلدة، في حارة تُعرف بـ"حارة البيّاعين"، بالقرب من حارة الشّقفات.
وأشارت إلى أسماء عدد من الجيران والعائلات، منهم: (حمّود، نمر سكينة، القندس)، ومن العائلات: (القاضي، الحمولة، الهوّاري، الجشّة، سرحان).
كما تحدثت عن الأسواق والدكاكين، والمقهى الشعبي، إضافة إلى طاحونة والدها التي كانت تخدم أربع قرى مجاورة لطحن القمح والعدس والفول والحمص، إلى جانب امتلاك العائلة لأراضٍ زراعية وتربية الماشية.
وتطرّقت إلى البنية التحتية للبلدة، حيث كانت المياه تُجمع من أمطار الشتاء، وذكرت معتقدات شعبية مرتبطة بها، إضافة إلى وجود المساجد، والأولياء مثل (المجاهد وسبلان)، وكنيستين، ومدرسة حتى الصف السادس، حيث تلقت تعليمها في مرحلة الروضة.
كما استذكرت خيرات الزيتون، والعادات المرتبطة بتخزينه في الخوابي، وأشارت إلى تفسيرٍ شعبي لتسمية ترشيحا مرتبط بطائر يُدعى "الشوحة".
العادات والتقاليد
تحدثت الحاجة عن طقوس الأعراس، بدءاً من ليلة الحنّاء وصولاً إلى الدبكات الشعبية، وعن لباس الرجال (القمباز والجاكيت) ولباس النساء التقليدي الطويل.
كما استعرضت أشهر الأكلات الترشيحاوية، مثل الكبة بأنواعها (المشوية، المقلية، السفرجلية، الصاجية، السماقية)، مؤكدةً استمرار هذه الأطباق حتى اليوم.
وفي حديثها عن شهر رمضان، وصفت أجواءه الروحانية، حيث كان المسحّر يجوب الأحياء مردداً:
"يا نايم وحِّد الدايم... قوم من منامك واذكر الله"،
فيما كان المؤذن يعتلي المئذنة لرفع أذان المغرب إيذاناً بالإفطار.
كما استذكرت أجواء العيد، حيث كانت النساء يُحضّرن الكعك والمعمول والهريسة، ويوزّعنها صباح العيد في المقبرة.
النكبة ومسار اللجوء
وعن نكبة عام 1948، روت الحاجة تفاصيل التهجير القسري، حيث لجأ إلى ترشيحا سكان القرى المجاورة مثل الكابري، الغبسيّة، والنهر. ومع تصاعد القصف، اضطر الأهالي للنزوح سيراً على الأقدام وسط الحقول، حفاةً، حتى وصلوا إلى كفر شميل، ثم إلى بنت جبيل في لبنان.
ومن هناك، نُقلوا بالقطارات إلى حلب، حيث بدأت رحلة اللجوء، ابتداءً من القشلة التي كانت مخصصة لخيول الفرنسيين، وصولاً إلى البركسات في مخيم النيرب، حيث استقرّت العائلة في "بركس رقم 6".
الحنين إلى الوطن
وفي ختام اللقاء، عبّرت الحاجة عن تمسّكها بأرضها ورفضها لأي تعويض، قائلة:
"لا، ما ببيع... لأنها غالية عليّ. لو قالوا لي خذي كل شيء وارجعي إلى فلسطين، برجع... هناك أرضي وخيراتي."
وأضافت:
"ترشيحا هي الوطن، ولو أخذت أي جنسية أخرى، يبقى أصلي فلسطين."
وتابعت:
"إذا تحررت، برجع... حتى لو عشت تحت التينة بلا بيت، أشعر براحة أكثر من هنا."
لحظة إنسانية ختامية
وفي ختام الرواية الغنية، جلس إلى جانبها نجلها الأستاذ الفنان عصام يوسف، والتفّ حولها أحفادها لالتقاط صورة تذكارية، تحمل في طياتها ذاكرة وطن، لعلّ الأجيال القادمة تستعيد من خلالها ملامح فلسطين وتشمّ عبقها.
