التقى مندوب “هوية” في الأردن بالحاج علي محمد حمدان الأعرج في منطقة مأدبا، وهو من مواليد عام 1938 في قرية عرتوف الواقعة على بُعد نحو 6 كيلومترات من القدس.
يستعيد الحاج الأعرج ملامح قريته بدقة لافتة، قائلاً إنه لا يزال يتخيلها وكأنها أمام عينيه، يعرف بيوتها بيتاً بيتاً، وكانت مبنية من الطين، تتوسطها سكة حديد وموقع للجيش البريطاني. ويصف طبيعة القرية بأنها سهلية تحيط بها الجبال من الأطراف.
ويضيف أن منزل عائلته كان يضم حوشاً واسعاً لتربية المواشي وتخزين التبن، إلى جانب “طابون” للخبز. كما ضمت القرية مسجداً أثرياً يُعرف باسم “أحمد العمري”. ويشير إلى أن عدد سكان عرتوف عند الهجرة قارب 300 نسمة، توزّعوا على عائلات عدة، منها: الأعرج، شحادة، سلطان، رحال، خاطر، سلمان، وغيرها، وكان مختار القرية محمود حسن.
وعن الحياة اليومية، يوضح أن الأهالي اعتمدوا على الزراعة، فزرعوا التين والعنب والصبر والرمان، إضافة إلى أشجار الزيتون الرومي، إلى جانب تربية الأبقار ورعي الأغنام. كما وجدت في القرية مدرسة أميرية حتى الصف السابع، كان يرتادها طلاب من القرى المجاورة، وقد درس فيها الحاج الأعرج الصف الأول فقط، وكان مديرها يُدعى أمين.
ويذكر أيضاً وجود عالم أزهري في القرية، هو الشيخ حسن شتات، الذي كان يؤمّ الناس في المسجد. أما المياه، فلم تكن متوفرة داخل القرية، إذ كان الأهالي يجلبونها من نبع في قرية إشوع المجاورة. كما لم يكن في القرية سوى دكان واحدة يملكها سلمان مصطفى سلمان، إضافة إلى حلاق كان يتولى الحلاقة والختان.
ويستعيد الحاج الأعرج تفاصيل المناسبات الاجتماعية، خاصة الأعراس التي كانت تتسم بالبساطة، وغالباً ما كانت تتم وفق نظام “البدل”. ويؤكد أن الأعراس كانت تمتد لأيام، تتخللها أهازيج السامر والدبكة والزفة، بحضور معظم أهالي القرية.
وعن فترة النكبة، يوضح أنهم لم يتعرضوا لهجوم مباشر من العصابات الصهيونية، لكنهم كانوا يسمعون أصوات إطلاق النار من القرى المجاورة. ويتذكر زيارة القائد عبد القادر الحسيني للقرية، ورؤيته للحافلة الخضراء التي استُشهد فيها مع رفاقه خلال معركة القسطل.
ويتابع قائلاً إنهم غادروا قريتهم خوفاً بعد سماعهم عن المجازر التي وقعت في القرى المجاورة، حفاظاً على الأعراض، ولم يحملوا معهم سوى القليل. وتنقلوا بداية إلى الظاهرية لمدة أربعة أشهر، ثم إلى بيت ساحور، قبل أن يستقر بهم المطاف في مأدبا.
وفي ختام حديثه، يؤكد الحاج الأعرج أن قريته لم تغب يوماً عن ذاكرته، قائلاً: “مسقط الرأس غالٍ، وقريتي لا تفارق خيالي، أراها كأنني ما زلت فيها، ولن أبدلها بمال الدنيا.”
