هويّة | المشروع الوطني للحفاظ على جذور العائلة الفلسطينية
حلب – مخيَّم النَّيرب
الخميس 23 نيسان / إبريل 2026
واصلت مؤسَّسة «هويّة» لقاءاتها ضمن المشروع الوطني للحفاظ على جذور العائلة الفلسطينية وتوثيق الذاكرة الشفهيّة لجيل النكبة، حيث أجرى مندوب المؤسسة لقاءً مع الحاج يوسف خالد أبو ليل "أبو خالد"، من مواليد قرية طيرة حيفا عام 1944، وذلك بعد تنسيق موعد مسبق معه في دكّانه المتواضع داخل مخيَّم النَّيرب.
استقبل الحاج أبو خالد فريق المؤسسة بوجهٍ بشوش وترحيبٍ كبير، معبّراً عن سعادته بهذه اللقاءات التي تحفظ ذاكرة الآباء والأجداد وتنقلها إلى الأجيال القادمة. وفي بداية الجلسة، قام الفريق بالتعريف بمؤسسة «هويّة» ومنهجيتها في توثيق جذور العائلات الفلسطينية، والتأكيد على حقّ الشعب الفلسطيني بأرضه وممتلكاته، كما جرى تدوين شجرة العائلة ابتداءً من الجد الأكبر أحمد أبو الليل.
وبشوقٍ كبير للحديث عن مسقط رأسه، بدأ الحاج أبو خالد بالتعريف بنفسه قائلاً:
«اسمي يوسف خالد أبو ليل، من مواليد طيرة حيفا عام 1944، خرجتُ من فلسطين وعمري يقارب الأربع سنوات».
وروى الحاج تفاصيل قريته كما سمعها من والده وما بقي عالقاً في ذاكرته، حيث وصف منزل العائلة المؤلَّف من غرفتين وصالون وحاكورة واسعة، مبنيّة من الحجر والطين، وتحيط بها أشجار الصبّار، إضافةً إلى خُمّ للدجاج كان يجمع منه البيض مع شقيقه. كما تحدَّث عن جيرانهم من عائلات: بابكر، وعلّوه، والناجي، والعلي.
وأشار إلى أن جدَّه كان يملك أراضي واسعة في منطقة وادي أبو الجاع، إضافة إلى كروم كبيرة للبطيخ في وادي النسناس، موضحاً أن الطيرة كانت تبعد نحو ثلاثة كيلومترات عن مدينة حيفا. كما ذكر أن والده كان يعمل مع شركة «سينالكو» للمشروبات الغازية، ويتولّى توزيع منتجاتها في لبنان ومصر.
وفي حديثه عن طبيعة القرية، وصف الحاج أبو خالد الطيرة بأنها أرض خصبة مليئة بالخضرة والينابيع والآبار، وكانت سنابل القمح تمتدّ على جانبي الطريق. كما تحدّث عن العلاقات الطيبة بين الأهالي، مشيراً إلى أن والده كان لاعب كرة قدم معروفاً على مستوى فلسطين، ولعب إلى جانب اللاعب أبو ياسر جمّال، فيما كان مختار القرية من عائلة علّوه.
أما عن مواسم الزيتون، فقد استعاد مشاهد الحراسة الليلية للأشجار، حيث كان الأهالي يبنون «الخَصّ» فوق الأشجار الكبيرة لحمايتها من السرقة.
وفي جانب العادات والتقاليد، وصف الحاج جمال الأعراس الفلسطينية بما فيها من دبكات وزفّات على الخيل وولائم عامرة، وردّد خلال حديثه مقطعاً من الأغنية الشعبية:
«يا طير الطاير يا رايح عالطيرة... سلِّم عحبابي يرعاك الله».
كما تحدّث عن الأكلات الشعبية المشهورة في الطيرة، وعلى رأسها المناسف والأسماك التي كان الأهالي يصطادونها من بحر حيفا، إضافةً إلى الأزياء التقليدية من الحطّات والكلابيّات المزيّنة، وعادات شهر رمضان من تبادل الأطباق وصلاة الجماعة والسهرات الرمضانية.
وتوقّف أيضاً عند حلويات القرية، ولا سيّما «العصيدة»، التي كانت تُخبَز بكميات كبيرة وتوزَّع صباح العيد على الأهالي وعلى المقابر صدقةً عن أرواح الموتى.
وفي حديثه عن النكبة ومسار اللجوء، روى الحاج أبو خالد تفاصيل التهجير القسري، فقال إن المعارك بدأت مع دخول القوات البريطانية واندلاع المواجهات مع الثوار الفلسطينيين، ثم دخول الجيوش العربية، قبل أن تُجبر العائلات على مغادرة القرية تحت وطأة الحرب.
وأوضح أن العائلة خرجت من الطيرة سيراً على الأقدام نحو المدينة، ومنها انتقلوا بالقوارب إلى لبنان، ثم بالقطارات إلى سوريا، ليستقر بهم المطاف بدايةً في منطقة جنديرس بعفرين، ثم في العرقوب بمدينة حلب، وأخيراً في مخيَّم النَّيرب، حيث سكنت العائلة في البركس رقم 69 قرب منزل الحاج سليم عمر سحتوت حالياً.
كما استذكر معاناة اللجوء الأولى والبرد القارس داخل البركسات، مشيراً إلى أن والده الحاج خالد أبو حسين قرَّر لاحقاً بناء منزل من حجارة الجبل، ليكون من أوائل المنازل التي شُيّدت في المخيم.
وفي ختام اللقاء، سُئل الحاج أبو خالد عن فكرة التعويض عن مسقط رأسه الطيرة، فكان ردّه مؤثراً والدموع تملأ عينيه:
«ولو يعطوني أوروبا كلّها... ما منعطيهم ذرّة من ترابنا».
وأضاف مؤكداً تمسّكه بحق العودة:
«بوصّي أولادي وأولاد أولادي إن الطيرة إلنا... وحقّي بالعودة ما زال قائم وما بتنازل عنه».
وفي نهاية المقابلة، تحدّث الحاج أبو خالد عن التحاقه بفدائيّة لبنان خلال ثمانينيات القرن الماضي، مشيراً إلى مهارته في الصيد ومشاركته مع الثوار، حيث أُصيب خلال تلك المرحلة.
