هويّة | المشروع الوطني للحفاظ على جذور العائلة الفلسطينية
حمص – مخيَّم العائدين
الخميس 30 نيسان / إبريل 2026
المقابلة الثانية في مخيَّم العائدين: الحاج عطا توفيق عفَّان يستعيد ذاكرة صفد ويؤكد التمسك بحق العودة
ضمن جولته الميدانية لتوثيق الذاكرة الشفوية للاجئين الفلسطينيين في مخيَّم العائدين بمدينة حمص، واصل مندوب مؤسسة «هويّة» الأستاذ زياد غضبان لقاءاته الميدانية، حيث توجَّه برفقة صديق المؤسسة الحاج ماجد دياب "أبو محمد" إلى منزل الحاج عطا توفيق عفَّان "أبو غزوان"، وذلك عقب الانتهاء من مقابلة الحاج عبد المجيد فتحي حنّون.
استُهلَّ اللقاء بالتعريف برسالة مؤسسة «هويّة» ودورها في توثيق الذاكرة الشفوية الفلسطينية باعتبارها جزءاً أصيلاً من حقوق اللاجئين الفلسطينيين وحفظ روايتهم الوطنية للأجيال القادمة. وقد رحَّب الحاج عطا بالفريق ترحيباً حاراً، وأشاد بأهمية المشروع الوطني للحفاظ على جذور العائلة الفلسطينية وتوثيق الذاكرة الشفوية لجيل النكبة.
وخلال الجلسة، استذكر الحاج عطا نجله الشهيد غزوان، الذي التحق بصفوف الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين واستشهد بتاريخ 22 شباط/فبراير 1989، مشيراً إلى أن جثمانه بقي محتجزاً في برادات الاحتلال مدة ثمانية عشر عاماً، قبل أن يُفرج عنه في إطار عملية تبادل "الرضوان" في تموز/يوليو 2007، حيث شُيّع آنذاك في شوارع مخيَّم العائدين بحمص وسط مشاركة جماهيرية واسعة.
وفي يوم الخميس السابع من أيار/مايو 2026، استأنف الأستاذ زياد غضبان المقابلة التفصيلية مع الحاج عطا توفيق عفَّان، المولود في مدينة صفد عام 1944، وذلك ضمن فعاليات المشروع الوطني الهادف إلى توثيق جذور العائلات الفلسطينية وحفظ ذاكرتها الشفوية.
بدأت الجلسة بتوثيق شجرة العائلة انطلاقاً من الجد الأكبر محمود، قبل أن ينتقل الحديث إلى مسقط رأسه مدينة صفد، حيث عرَّف بنفسه قائلاً:
"أنا عطا توفيق عفَّان، مواليد مدينة صفد عام 1944، خرجت من فلسطين وكان عمري بين ثلاث وأربع سنوات تقريباً."
ملامح مدينة صفد قبل النكبة
وصف الحاج عطا مدينة صفد بأنها مدينة صغيرة مرتفعة ومتدرجة التضاريس، تمتد باتجاه جبل الجرمق وجبل كنعان، وتضم ساحة عامة تجمع المسلمين والمسيحيين واليهود، مشيراً إلى أن اليهود كانوا يتمركزون في المناطق المرتفعة من المدينة.
وأضاف أن المدينة كانت تتمتع بخدمات الكهرباء والأسواق التجارية النشطة، وأن والده كان يعمل في ضمان الأراضي بمدينة حيفا. كما تحدَّث عن منزل العائلة الذي كان عبارة عن حوش عربي كبير تشاركهم السكن فيه عائلة إبراهيم الصرصور.
وتناول الحاج عطا جوانب الحياة اليومية في صفد، موضحاً أن مياه المدينة كانت تعتمد بصورة رئيسية على مياه الأمطار، وأنها ضمت مدارس وأسواقاً كبيرة، كما شهدت حالة من التعايش الاجتماعي والديني بين مختلف مكونات المجتمع.
كما استعرض جانباً من النشاط الزراعي في المدينة، مؤكداً أن الزيتون كان من أبرز محاصيلها، واصفاً مراحل جمعه وتحويله إلى زيت وتخزينه في الخوابي الكبيرة التي كانت تُستخدم لحفظه.
العادات والتقاليد
وتحدَّث الحاج عطا عن الأعراس التقليدية في صفد، حيث كانت الدبكة الشعبية حاضرة في المناسبات، مع المحافظة على العادات الاجتماعية السائدة آنذاك. كما أشار إلى أن طبق "الشيش برك" كان من أشهر الأكلات الشعبية لدى أهالي المدينة.
واستعاد أجواء شهر رمضان المبارك والأعياد، وما كانت تحمله من فرحٍ اجتماعي وشراء الملابس الجديدة للأطفال، إضافة إلى وصفه للأزياء التقليدية التي كان يرتديها الرجال من الشروال والكوفية، بينما كانت النساء يرتدين الملايات الطويلة المخططة.
رحلة اللجوء والهجرة
وعن أحداث التهجير، أوضح الحاج عطا أنه كان طفلاً صغيراً عندما اضطرت العائلة إلى مغادرة صفد بسبب القصف، قائلاً إن والدته اصطحبته مع أشقائه، بينما بقي والده في المنزل لعدم قدرته على الحركة.
وسلكت العائلة طريق النزوح مروراً بالظاهرية وعين الزيتون وسعسع والصفصاف والجش، حيث تمكنوا من الوصول إلى لبنان عبر شاحنات كانت تنقل اللاجئين. وأقامت العائلة في جنوب لبنان قرابة شهر ونصف، قبل انتقالها إلى منطقة ضبية، ومن ثم إلى سورية.
وأضاف أنهم وصلوا بداية إلى دمشق، ثم إلى مدينة حماة حيث أقاموا نحو خمسة وعشرين عاماً في منطقة الشرفو، قبل أن ينتقلوا لاحقاً إلى مخيَّم العائدين في حمص.
التمسك بحق العودة
وفي ختام المقابلة، أكّد الحاج عطا تمسكه المطلق بحق العودة إلى مدينة صفد ورفضه لأي تعويض مالي مقابل التنازل عن منزله أو أرضه، قائلاً:
"ما مظبوط هالحكي، ما بتنازل."
وأضاف:
"هذا حقي بالعودة، وإذا ما بدنا نطالب فيه... بشو بدنا نطالب؟"
وختم حديثه بكلمات مؤثرة عبَّر فيها عن ارتباطه العميق بمدينته قائلاً:
"صفد هي روحي وكياني، صحيح أنني لا أعرف تفاصيل معالمها اليوم، لكن حبها وصلنا من أهلنا، وبقي ساكناً في وجداننا جيلاً بعد جيل."
وتأتي هذه المقابلة ضمن سلسلة اللقاءات التي تنفذها مؤسسة «هويّة» في مختلف أماكن وجود اللاجئين الفلسطينيين، بهدف حفظ الرواية الشفوية وتوثيق الذاكرة الوطنية، وصون حق العودة باعتباره حقاً تاريخياً ووطنياً لا يسقط بالتقادم.
