بين الوثيقة والخوارزمية: تجربة في توثيق شجرة عائلة فلسطينية

هوية – 12/7/2026
لم يكن في أيدينا سوى بطاقة هوية فلسطينية صادرة عام 1947. صورة شاب، واسم: نصرالله توفيق كردوش، من مدينة الناصرة. لم نكن نعرف إن كان لا يزال على قيد الحياة، ولا أين استقرت عائلته بعد النكبة، لكننا كنا نؤمن بأن لكل وثيقة حكاية، ولكل حكاية أصحاباً يستحقون أن تعود إليهم. ولم نكن ندرك أن البحث عن أصحاب هذه البطاقة سيقودنا إلى رحلة مختلفة تماماً، رحلة تجمع بين وثائق عمرها أكثر من قرن، وتقنيات لم يمض على ظهورها سوى سنوات قليلة.
كانت الفكرة في بدايتها بسيطة: نصل إلى عائلة صاحب البطاقة لنعيدها إليهم. لكن الطريق إلى العائلة لم يكن مباشراً، فكان لا بد أولاً من التعرف إلى تاريخها، ورسم شجرة نسبها، وربط فروعها، علّنا نهتدي إلى أبناء نصرالله أو أحفاده. وهكذا تحولت محاولة إعادة بطاقة هوية إلى أصحابها إلى تجربة عملية في توظيف الذكاء الاصطناعي في خدمة توثيق تاريخ العائلة الفلسطينية.
ولأننا في مشروع "هوية" نتعامل مع الأنساب بوصفها جزءاً من الذاكرة الوطنية، لم يكن من الممكن أن نتعامل مع هذه التجربة بحماس غير منضبط. فالأنساب ليست مجالاً يحتمل التخمين أو التساهل؛ إذ قد يؤدي ربط خاطئ بين شخصين، أو بين فرعين من العائلة، إلى أخطاء تتناقلها الأجيال لاحقاً وكأنها حقائق ثابتة. وفي المقابل، فإن تجاهل ما أصبح يتيحه الذكاء الاصطناعي من إمكانات في جمع المعلومات وتحليلها، لم يعد خياراً صائباً، خاصة في مشروع يهدف إلى توثيق آلاف العائلات الفلسطينية. لذلك كان لا بد من البحث عن معادلة متوازنة: أن نستفيد من الذكاء الاصطناعي إلى أقصى حد، دون أن نتخلى لحظة واحدة عن سلطة الوثيقة، ولا عن مسؤولية الباحث في التحقق والمراجعة.
بدأنا بجمع كل ما أمكن الوصول إليه من مصادر، دون أن نفترض أي علاقة نسب قبل أن تثبتها الأدلة. كانت بين أيدينا أربع عشرة صفحة من سجلات النفوس العثمانية، يعود بعضها إلى عام 1905، وبعضها الآخر إلى الفترة ما بين عامي 1911 و1916. ثم جاء كتاب القس أسعد منصور الصادر عام 1924، الذي يعد من أهم المراجع في تاريخ عائلات الناصرة، بما تضمنه من معلومات عن أصولها وفروعها. وأضفنا إلى ذلك عدداً من الوثائق المحفوظة في موقع "هوية"، وبيانات بعض أفراد عائلة كردوش الذين لجؤوا إلى لبنان بعد نكبة عام 1948، إلى جانب عشرات الأخبار المنشورة في الصحف الفلسطينية والعربية. كانت كل وثيقة تضيف اسماً، أو تاريخاً، أو علاقة قرابة، أو خيطاً جديداً يقود إلى خيط آخر.
عند هذه المرحلة بدأ يظهر الدور الحقيقي للذكاء الاصطناعي. لم يخبرنا من هو الجد الأول للعائلة، ولم يخترع أسماءً مفقودة، لكنه قام بما يجيده على نحو مذهل؛ فقد ساعد في مقارنة مئات الأسماء المتشابهة التي قد تختلف في طريقة كتابتها بين وثيقة وأخرى، وربط الإشارات المتفرقة إلى الشخص نفسه، وتحليل تواريخ الميلاد والوفاة والزواج، والتنبيه إلى التناقضات الزمنية التي قد يغفل عنها الباحث وسط هذا الكم الكبير من البيانات. وما كان يحتاج إلى ساعات طويلة من المقارنة اليدوية، أصبح يتم في دقائق، مع بقاء القرار النهائي بيد الباحث.
لكن هذه القوة نفسها كانت تفرض علينا قدراً أكبر من الحذر. فالذكاء الاصطناعي قد يقترح، لكنه لا يثبت. وقد يرجح أن شخصين هما شخص واحد لتشابه الاسمين أو تقارب التواريخ، بينما تكشف وثيقة أخرى أنهما من فرعين مختلفين. بل إن طبيعة هذه النماذج تجعلها تميل أحياناً إلى ملء الفراغات عندما تنقصها المعلومات، بينما يفرض علم الأنساب قاعدة معاكسة تماماً: الفراغ خير من معلومة متخيلة. لذلك لم نعتمد أي علاقة نسب إلا بعد مراجعة الوثيقة الأصلية، ومقارنتها بالمصادر الأخرى، والتأكد من انسجامها مع السياق التاريخي والزمني. فالذكاء الاصطناعي كان شريكاً في البحث، لكنه لم يكن حكماً في النتائج.
ومع تقدم العمل بدأت الشجرة تتشكل أمامنا شيئاً فشيئاً. لم تكن مجرد أسماء متجاورة، بل تاريخ عائلة يمتد عبر أكثر من قرن، ينتقل من سجل عثماني إلى كتاب تاريخي، ثم إلى وثيقة لجوء، فإلى خبر في صحيفة، حتى يصل إلى أبناء العائلة في الوقت الحاضر. وكان من أكثر اللحظات دلالة في هذه التجربة أن قارنا الرسم الأول للشجرة، الذي امتلأت صفحاته بالأسهم والملاحظات والتصحيحات المكتوبة بخط اليد، بالرسم الذي أنجزه الذكاء الاصطناعي بعد إدخال البيانات الموثقة. لم يكن الفرق في شكل الشجرة فحسب، بل في حجم الجهد الذي يمكن أن توفره هذه الأدوات عندما تستخدم ضمن منهج علمي واضح. وسيجد القارئ مع هذا المقال الصورتين معاً؛ الأولى تمثل رحلة الباحث بين الوثائق والأوراق، والثانية تمثل كيف يمكن للتقنية أن تعيد تنظيم هذا الجهد في صورة أكثر وضوحاً، دون أن تلغي دور الإنسان الذي صنعه.
لقد خرجنا من هذه التجربة بقناعة راسخة: إن الذكاء الاصطناعي ليس بديلاً عن الباحث، بل مضاعف لقدراته. فهو لا يصنع الحقيقة، وإنما يساعد على الوصول إليها بسرعة أكبر، إذا أحسن الباحث توجيهه، وأحسن قبل ذلك قراءة الوثيقة وفهم سياقها. أما إذا استخدم بلا منهج، فقد يتحول إلى وسيلة لتكرار الأخطاء ونشرها على نطاق أوسع.
انطلقت هذه التجربة من بطاقة هوية قديمة، لكنها انتهت إلى سؤال أكبر: كم بطاقة أخرى، وكم وثيقة، وكم صورة، وكم سجل عثماني أو كنسي أو بريطاني، ما زال ينتظر من يعيد وصل خيوطه بتاريخ العائلات الفلسطينية؟ وإذا كانت النكبة قد فرقت أبناء الأسرة الواحدة بين البلدان، وشتتت وثائقهم بين البيوت والأرشيفات، فإن من واجبنا اليوم أن نوظف كل وسيلة علمية متاحة لإعادة جمع هذه الذاكرة وصونها.
ولعل أهم ما تعلمناه من هذه التجربة أن العلاقة بين الوثيقة والخوارزمية ليست علاقة تنافس، بل علاقة تكامل. فالوثيقة تمنح الحقيقة، والخوارزمية تساعد على اكتشافها، أما الباحث فهو الذي يملك مسؤولية التمييز بين ما تثبته الأدلة وما يبقى مجرد احتمال.
كانت هذه تجربتنا الأولى في مشروع "هوية"، ولن تكون الأخيرة بإذن الله. فما زال أمامنا مئات العائلات الفلسطينية التي تستحق أن يعاد بناء تاريخها على أساس الوثيقة لا الرواية، وعلى أساس التحقيق لا التخمين. وكما نفتح هذا المقال على تجربة جديدة، فإننا نفتح معه الباب أيضاً أمام أبناء عائلة كردوش خاصة، وأبناء العائلات الفلسطينية عامة، لتزويدنا بأي وثيقة أو ملاحظة أو تصويب يمكن أن يسهم في استكمال هذا العمل. فتوثيق تاريخ العائلة الفلسطينية ليس عملاً فردياً، بل مسؤولية جماعية، وكل وثيقة تحفظ اليوم قد تكون غداً مفتاحاً لاستعادة فرع كامل من شجرة كادت أن تضيع.