وفاة أكبر معمر في عرابة البطوف ومن الأكبر في الجليل كله.. الحاج مرشد صح (ابو علي) في ذمة الله عن عمر يناهز 110 سنوات (مواليد 1916)
بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، تنعى عرابة البطوف والجليل عامة، الحاج مرشد صح (ابو علي)، الذي رحل عنا اليوم تاركاً خلفه قرناً وعشراً من السنوات شهدت على أدق تفاصيل تاريخنا الفلسطيني الحديث.
الحاج أبو علي لم يكن مجرد معمر عاش العقود. عاش يتيماً، وعاصر أواخر العهد العثماني، وعاش ويلات الانتداب البريطاني، وحفرت نكبة عام 1948 جروحاً عميقة في ذاكرته وروى تفاصيلها للأجيال، ومن أبرز الأحداث التي رواها وعاشها:
• بطش الانتداب البريطاني: كيف كان جنود الانتداب يعاقبون أهالي القرى (مثل إجبار أهالي كفر كنا على المشي على الصبار)، وحرقهم ومصادرتهم لمحاصيل التبغ في عرابة.
• شاهد على النكبة (1948): روى بإسهاب تفاصيل دخول الجيش الإسرائيلي إلى قريته والقرى المجاورة، وأيام الحرب، وحالة الخوف الشديد، وحركة النزوح واللجوء وتشتت العائلات بين البقاء والرحيل إلى لبنان.
• إصلاح ذات البين والنزاعات العشائرية: عاصر أشد النزاعات وقصص الثأر القديمة والاعتقالات في سجن عكا، وكان شاهداً على "الجاهات" والصلح العشائري ودور الوجهاء في حقن الدماء.
• حياة الفلاحة والشقاء: كان يذكرنا دائماً بـ "تعب زمان"، وكيف عاشت البلاد فترات من الجوع والعمل الشاق من الفجر في حرث الأرض ورعي المواشي، مقارناً إياها بنعمة وراحة اليوم.
عاش ابو علي طوال حياته متمسكاً بالطبيعة، مبتعداً عن التدخين، معتمداً على خيرات الأرض من سمن ولبن وجبن، وظل حتى أواخر سنواته متمتعاً بروح فكاهية يقود سيارته ويرفض الاستسلام لتقدم العمر.
اليوم تطوى صفحة من صفحات تاريخنا الشفوي، برحيل رجل عاصر العثمانيين والإنجليز والنكبة، وبقي متجذراً في أرضه.
نسأل الله العلي القدير أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه وأهالي عرابة والجليل الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون
