| المقال |
حين يُذكر الإصلاح وتُستحضر مواقف الحكمة ويُبحث عن الرجال الذين جعلوا من أعمارهم جسوراُ لعبور الخلاف إلى الوفاق ، وعن الذين يكونوا حاضرين قبل النداءبالمناسبات لإن الواجب عندهم ولديهم ليس بإنتظار دعوة فحسب .
(قيمة إنسانية وإجتماعية لا تُنسى).
المرحوم حسن أحمد أبو ذياب
( أبو عيسى )
وُلد رحمه الله عام 1949 ، وتعلّم في مدرسة عبد القادر الحسيني ( مدرسة سلوان الآن ) ، ثم اختار باكراً طريق الكفاح الشريف ، فتعلّم مهنة الحلاقة في البلدة القديمة بعد الصف السادس ليبدأ رحلة عمل لم تكن مهنةً فحسب ، بل باباً للرزق الحلال وخدمة الناس .
تزوّج عام 1966 ، وشهد واحدةً من أقسى محطات التاريخ حرب عام 1967 الذي خرج حينها مُكرهاً كما خرج الكثيرين ولكنه أصر على الرجوع من منتصف الطريق بعد أيام فقط من خروجه ورفضه للهجرة ليكون مثالاً للصبر والثبات في وجه المِحن .
عمل حلاقاً في قرية صور باهر ، وتنقّل في ميادين العمل الشريف من مصانع النحاس والألمنيوم إلى أعمال الإصلاح ذات البين برفقة عميد العائلة رحمه الله الحاج مازن عميد عائلتنا والبلد سلوان والمرجع العشائري والقضائي ليس لسلوان فحسب بل لجميع محافظات الوطن ، حيث وجد رسالته الحقيقية معه ، فكرّس نفسه لإصلاح ذات البين ، وجعل من وقته وحياته وقفاً للناس ، لم يكن مصلحاً بالكلام ، بل بالفعل والموقف .
كان عندما يُطرق بابه في الساعات المتأخرة من الليل لا يتأخر ولا يعتذر ولا يسأل عن تعبٍ أو راحة .
أما في مجلس العائلة ، لم يكن رقماً ولا إسماً في سجل ، بل كان عموداً ثابتاً حيث أنه خدم المجلس عدة دورات من عضو إلى أمين صندوق إلى أمين سر وكان في كل موقع مثالًا للنزاهة والانضباط والإخلاص برفقة أيضاً رجال وكبار عائلتنا أمثال العم أبو خليل والشيخ صبري ورحمة العم أبو موسى والعم أبو شكري وغيرهم .
في كل مناسبه يكون رحمه الله أول الحاضرين في الفرح كما في الحزن لا ليُرى بل لأن الوقوف مع الناس عنده ولديه واجبه .
رحل عن هذة الدنيا الفانية بتاريخ 6/9/2014 ، بعد صراعٍ قصير مع المرض ، لكن رحيله لم يكن نهاية ؛ فقد ترك مدرسةً كاملة في الإصلاح ، وسيرةً عطرة ، وأثرًا طيباً باقٍ في قلوب الناس ، وشاهداً حيّاً على أن بعض الرجال يرحلون بأجسادهم ، ويبقون بأفعالهم .
وقبل أن نختم اسمحوا لي أن أخرج عن النص قليلاً ، فلا أستطيع أن أكتب عن شخص رافقته وعشت معه سنواتٍ طوال دون أن أروي موقفاً حقيقياً وكلمات قليلة لكنها صادقة والله شهيداٌ على ما أقول لإن ما يربطني به من علاقة لم تكن علاقة عم أو نسيب أو والد زوجتي فحسب بل كانت علاقة أبٌ روحي بكل ما تعنيه الكلمة ، موقف بسيط حين ليلة وفاة واحتضار والدي رحمه الله ، وقتها لم يغادر المستشفى إلا في ساعات متأخرة من الليل وقبل أن يذهب لبيته لأخذ قسطٍ من الراحة قال لي حرفياً أي طارئ يحصل معك لا تقوم بالإتصال على أحد ولا حتى والدتك ، فقط أعلمني على الفور وسأكون بجانبك خلال وقت قصير جداً ، وهذه الكلمات لم تكن كلمات تُقال بل عهداً صادقاً ، وفعلاً هذا ما حصل عند الساعة الخامسة فجراً كان عندي لحظة احتضار والدي رحمه الله .
في تلك اللحظة أدركت ما معنى عندما يكون الإنسان أباً روحياً حقاً وحضوراً لا يُعوض ووفاءاً لا يموت وأن فقدهم وجعٌ لا يزول .
رحمك الله رحمةً واسعة كما كنت سنداً في أصعب لحظاتنا ، وجعل ما بذلته في ميزان حسناتك ، ورفع مقامك في عليين .
مجلس عائلة أبوذياب
بقلم أمين سر المجلس
محمد يونس أبوذياب " أبو يونس "
القدس - سلوان

|
| Preview Target CNT Web Content Id |
|