مؤسسة «هويّة» توثّق شهادة الحاج علي حسين قاسم من عرب الغوارنة
حلب – مخيّم النيرب | الثلاثاء 21 تموز / يوليو 2026
ضمن فعاليات المشروع الوطني للحفاظ على جذور العائلة الفلسطينية وتوثيق الذاكرة الشفوية لجيل النكبة، واصل مندوب مؤسسة «هويّة» جولته التوثيقية في مخيّم النيرب بمدينة حلب، مستكملًا لقاءاته مع أبناء القرى والمدن الفلسطينية، بهدف حفظ الذاكرة الشفوية وتوثيق تفاصيل الحياة الفلسطينية ومسيرات التهجير واللجوء.
وفي هذا السياق، أجرى مندوب مؤسسة «هويّة» لقاءً مع الحاج علي حسين قاسم «أبو حسين»، من مواليد عرب الغوارنة – قضاء عكا عام 1944، وذلك لتوثيق شهادته حول قريته ومسيرة اللجوء التي عاشتها عائلته إبان النكبة.
وجرى اللقاء بعد تنسيق مسبق مع نجله وأخيه وصديقه أبو أنس، في منزله الكائن في ساحة ...، وسط أجواء ودية وروحانية تزامنت مع ليلة الجمعة وتسبيحاتها.
توثيق شجرة العائلة والذاكرة الشفوية
في مستهل اللقاء، قدّم فريق مؤسسة «هويّة» تعريفًا بالمؤسسة ورسالتها ومنهجيتها في توثيق الذاكرة الشفوية الفلسطينية، وحفظ جذور العائلات وتوثيق شجراتها للأجيال القادمة.
كما جرى تدوين شجرة عائلة الحاج علي، ابتداءً من جدّه محمد، في إطار توثيق التسلسل العائلي وربط الأجيال بجذورها وأرضها الفلسطينية.
وبدأ الحاج علي حديثه بالتعريف بنفسه، قائلًا:
«أنا علي حسين قاسم، من قرية عرب الغوارنة – قضاء عكا، مواليد 15/3/1945».
وأوضح أنه غادر فلسطين وهو في الثالثة من عمره تقريبًا، إلا أن تفاصيل القرية بقيت حاضرة في ذاكرته من خلال ما نقله إليه أهله وما ترسّخ في الذاكرة العائلية.
عرب الغوارنة… الأرض والحياة الزراعية
استعاد الحاج علي معالم عرب الغوارنة، موضحًا أنها كانت تقع جنوب مدينة عكا، شرق سكة حديد الحجاز، وكانت تتميز بأرضها الرملية الخصبة، وتبعد عن مدينة عكا أقل من سبعة كيلومترات، فيما كان نهر النعناع يصلها بالمدينة.
وأشار إلى أن القرية اشتهرت بزراعة الخضروات والبواكير الزراعية، وكانت منتجاتها تُرسل إلى عكا ومدن أخرى.
وتحدث عن منزل العائلة، الذي كان كبيرًا، بحيث كان لكل شخص متزوج غرفة خاصة، وتحيط بالمنزل حاكورة واسعة كان والده يزرع فيها احتياجات الأسرة من الخضروات، ومنها الكوسا والباذنجان والخيار والفليفلة والفقوس، إضافة إلى البطيخ في بعض المواسم.
كما كان في المنزل إسطبل تُربّى فيه الأبقار والأغنام، بما يعكس طبيعة الحياة الريفية التي جمعت بين الزراعة وتربية المواشي.
وأوضح أن القرية كانت تتكوّن من نحو ثلاثين عائلة، وكانت بيوتها متباعدة عن بعضها، تحيط بكل منزل حاكورة وحظيرة للحيوانات، فيما ذكر من جيرانهم عائلة الأحمد.
كما استذكر عددًا من الحمائل الرئيسية في عرب الغوارنة، ومنها العيايطة والكوامنة والقرابصة والمراقعة، والتي كانت تتفرع عنها عائلات أصغر.
ومن الذكريات المؤلمة التي بقيت عالقة في ذاكرته، حديثه عن نَبعة كانت موجودة في بستان العائلة، توفي عندها شقيقه أثناء محاولته التقاط التين منها.
الزراعة والتجارة مع مدينة عكا
وأوضح الحاج علي أن والده كان يعمل في الزراعة، ولا سيما زراعة البواكير، أي إنتاج الخضروات قبل موسمها المعتاد، مثل الباذنجان والفاصوليا واللوبيا، ثم إرسالها إلى مدينة عكا ومدن أخرى للبيع.
ووصف بلاده بأنها كانت جميلة جدًا، مشيرًا إلى أنه لا يزال يحتفظ بصور لها على هاتفه، في تعبير عن استمرار حضور المكان في ذاكرته رغم مرور عقود طويلة على اللجوء.
المدرسة والمسجد والمضافة
وفي حديثه عن البنية الاجتماعية والخدماتية في القرية، أشار الحاج علي إلى وجود مدرسة من غرفة واحدة تحمل اسم القرية، وكان يُدرّس فيها القرآن الكريم معلّمون قدموا من قريتي الدامون وطمرة.
كما كان في القرية مسجد واحد، بدأ بناؤه من الطين ثم جرى تعديله في الفترة الأخيرة ليصبح من الحجر، ولم تكن في القرية عائلات مسيحية.
وأشار إلى عدم وجود مستشفى في القرية، وكان المرضى يتوجهون إلى الناصرة للعلاج، مستذكرًا الطبيب حمزة الذي كان يحظى بسمعة طيبة بين الأهالي، حتى إنهم كانوا ينشدون له:
«يا دكتور حمزة اعمل العملية
وإحنا غُربة والبلاد بعيدة».
كما تحدث عن وجود مضافة للمختار خاله محمود المحمود، إلى جانب ديوان كليب، حيث كان الضيف يمكث حتى تُلبّى حاجته، في صورة تعكس تقاليد الكرم والضيافة التي كانت متجذرة في المجتمع الفلسطيني.
رفض بيع الأراضي وذاكرة ثورة 1936
واسترسل الحاج علي في الحديث عن خاله المختار، الذي كان من الرافضين لبيع الأراضي الفلسطينية، مشيرًا إلى أن بعض العملاء كانوا يشترون الأراضي ثم يعيدون بيعها لليهود.
وتوقف عند ذكريات ثورة عام 1936، مستعيدًا حادثة اغتيال خاله المختار على يد أحد العملاء، بسبب موقفه الرافض لبيع الأراضي.
وأضاف أن الثوار استدعوا أبو العبد حبيب، الملقب بـ«أبو المسدسين»، الذي أخذ بثأر المختار من العميل في مدينة حيفا.
كما استذكر طبيعة الأراضي الزراعية في المنطقة، وما كان فيها من كروم التفاح والتين وحقول الخضروات، إضافة إلى رحلة عائلية إلى مقام الشيخ خضر في مدينة عكا، بما تحمله من تفاصيل اجتماعية ودينية من ذاكرة القرية.
الأعراس والأهازيج والعادات الشعبية
وفي حديثه عن العادات والتقاليد، أوضح الحاج علي أن الأعراس كانت تستمر سبعة أيام بلياليها، وتقام في ساحة كبيرة وسط القرية، وتتخللها أجواء من الفرح وسباقات الخيل ومبارزات الشعر بين الرجال والنساء.
كما استذكر إحدى الأهازيج الوطنية التي كانت تُردّد في القرية:
«من سجن عكا طلعت جنازة
محمد جمجوم وفؤاد حجازي».
وأشار إلى أن الملوخية كانت من أشهر الأكلات الشعبية لدى أهالي القرية، مؤكدًا أنه ما زال يحافظ على إعدادها حتى اليوم، باعتبارها جزءًا من الموروث الذي حمله معه من فلسطين.
أما في شهر رمضان، فكان أهالي القرية ملتزمين بالصيام والعبادات، كما كانت تُقام احتفالات تستمر سبعة أيام لمن يتخرج من مدرسة القرآن، مستذكرًا عمه محمد الذي بقي في القرية ورفض الهجرة مع العائلة.
وتحدث كذلك عن عادة اجتماع أهالي القرية والسهر معًا في وسطها، وعن استعدادات العيد، حيث كان والده يشتري الملابس من مدينة عكا.
وكان لباس الرجال المتعارف عليه الشروال والقمباز والحطّة والعقال، فيما كانت النساء يرتدين العباءة المطرّزة.
مسيرة التهجير… من عرب الغوارنة إلى النيرب
وعند الحديث عن النكبة ومسيرة التهجير، استعاد الحاج علي مشاهد الهجوم الكبير الذي تعرضت له القرية، ما دفع الأهالي إلى الانتقال إلى مدينة عكا، حيث مكثوا فترة قصيرة إلى أن سقطت المدينة.
وأوضح أنه بعد ذلك صدر إعلان من جيش الإنقاذ بإخلاء المنازل لمدة أسبوع أو أسبوعين، على أمل العودة بعد تحرير البلاد، فعاد والده إلى القرية وأحضر الحمار والبقرة وبعض الأغراض، ثم خرجت العائلة سيرًا على الأقدام.
وكان الحاج علي آنذاك طفلًا صغيرًا، فركب على ظهر الحمار، فيما واصلت العائلة طريقها باتجاه بنت جبيل على الحدود اللبنانية، ثم انتقلت إلى صيدا.
وأوضح أن بعض أبناء العائلة استقروا لاحقًا في مخيّمي البداوي والجليل، فيما واصلت عائلته طريقها بالقطارات باتجاه سورية، وصولًا إلى مخيّم النيرب في حلب.
«ثلجة الخمسين» وذاكرة البرد القاسية
وفي مخيّم النيرب، أقامت العائلة في البركس رقم 24، الذي كان يضم نحو 16 عائلة، وكانت تفصل بين العائلات حواجز من الخيش، في ظروف صعبة اختصرت قسوة السنوات الأولى من اللجوء.
واستعاد الحاج علي واحدة من أقسى ذكرياته، وهي «ثلجة الخمسين»، التي قال إنها تسببت في وفاة أكثر من خمسين طفلًا نتيجة البرد الشديد، لتبقى هذه الحادثة جزءًا مؤلمًا من ذاكرة جيل اللجوء الأول.
«أرضي غالي عليّ ولازم أرجعلها»… حق العودة لا يقبل المساومة
وفي ختام اللقاء، سُئل الحاج علي عن موقفه من التعويض المالي مقابل التخلي عن مسقط رأسه عرب الغوارنة، فجاء ردّه واضحًا وحاسمًا:
«ما ببيع، ولو بمال وذهب الدنيا كلّها».
وأضاف:
«أرضي غالي عليّ ولازم أرجعلها».
وأكد تمسكه بحق العودة، قائلًا:
«إن شاء الله راجع، إن ما رجعت أنا، برجعوا أحفادي وأحفاد أحفادي».
وشدّد على أن حق العودة بالنسبة إليه حق مقدّس، قائلًا:
«أنا متمسّك بحق العودة، وهو حق مقدّس».
وأضاف:
«إذا تحررت فلسطين برجع ركض، برجع مشي، أرضي ما بستغني عنها».
وفي رسالة مباشرة إلى الأجيال الفلسطينية القادمة، أوصى الحاج علي بالتمسك بالحق وعدم التفريط به، قائلًا:
«بوصّي الأجيال إن يتمسّكوا بحق العودة، وهو حق مقدّس، لا يجوز الاعتداء عليه بأي حال من الأحوال، مهما طال الزمن».
وتأتي شهادة الحاج علي حسين قاسم «أبو حسين» ضمن سلسلة الشهادات التي توثّقها مؤسسة «هويّة» في إطار المشروع الوطني للحفاظ على جذور العائلة الفلسطينية وتوثيق الذاكرة الشفوية لجيل النكبة، بهدف حفظ تفاصيل الحياة في القرى والمدن الفلسطينية، وتوثيق شجرات العائلات والعادات والتقاليد، وروايات التهجير واللجوء، ونقل هذه الذاكرة إلى الأجيال القادمة، تأكيدًا على الارتباط بالأرض والتمسك بالوطن وحق العودة.
