مؤسسة «هويّة» توثّق شهادة الحاجة حسنية محمد حسن أحمد من كردانة قضاء عكا
حلب – مخيّم النيرب | الأربعاء 29 تموز / يوليو 2026
ضمن فعاليات المشروع الوطني للحفاظ على جذور العائلة الفلسطينية وتوثيق الذاكرة الشفوية لجيل النكبة، واصل مندوب مؤسسة «هويّة» جولته التوثيقية في مخيّم النيرب بمدينة حلب، مستكملًا لقاءاته مع أبناء القرى والمدن الفلسطينية، بهدف حفظ الذاكرة الشفوية وتوثيق شهادات أبناء جيل النكبة.
وفي هذا السياق، أجرى مندوب مؤسسة «هويّة» لقاءً مع الحاجة حسنية محمد حسن أحمد «أم محمد»، من مواليد قرية كردانة – قضاء عكا عام 1945، وهي زوجة الحاج سمير لطفي حسن محمد، الذي سبق للمؤسسة أن أجرت معه مقابلة ضمن مشروعها التوثيقي.
وجرى اللقاء في منزل الحاجة حسنية، الكائن بجانب حارة الطيارنة، وسط أجواء حملت الكثير من الشوق والحنين إلى الوطن، حيث استعادَت جانبًا من ذاكرتها وذاكرة عائلتها، وروت تفاصيل عن الحياة في كردانة ومسيرة التهجير واللجوء التي عاشتها العائلة إثر النكبة.
توثيق شجرة العائلة
في بداية اللقاء، قدّم فريق مؤسسة «هويّة» تعريفًا بالمؤسسة ورسالتها ومنهجيتها في توثيق الذاكرة الشفوية الفلسطينية، وحفظ جذور العائلات وتوثيقها للأجيال القادمة.
كما جرى تدوين شجرة عائلة الحاجة حسنية، ابتداءً من جدّها حسن، في إطار توثيق التسلسل العائلي وربط الأجيال بجذورها الفلسطينية.
وبدأت الحاجة حسنية حديثها بالتعريف بنفسها، قائلة:
«اسمي حسنية محمد حسن أحمد، مواليد قرية كردانة – قضاء عكا».
وأوضحت أنها غادرت فلسطين وهي في الثالثة من عمرها، إلا أن ما نقلته إليها العائلة من تفاصيل بقي حاضرًا في ذاكرتها، وشكّل جزءًا من روايتها عن القرية والوطن.
كردانة في ذاكرة الطفولة
استعادت الحاجة حسنية تفاصيل منزل أهلها في كردانة، موضحة أنه كان يتكوّن من غرفتين ضمن بيت عائلة كبيرة، وساحة دار واسعة، كانت تُزرع فيها أصناف متعددة من الخضروات والفواكه، ومنها البامية واللوبيا والبندورة والتفاح والزيتون والتين.
كما تحدثت عن تربية المواشي والدواجن في المنزل، مشيرة إلى وجود ثلاث بقرات؛ واحدة لجدّها، وبقرة لكل واحد من إخوته، إضافة إلى الدجاج.
واستذكرت عددًا من عائلات القرية، ومن بينها قاسم وإبراهيم وقيس، مؤكدةً حضور الروابط العائلية والاجتماعية في حياة أهالي كردانة.
أما والدها، فكان يعمل مزارعًا في البستان، حيث كان يزرع الخضروات ويبيع إنتاجه في مدينة عكا، في صورة تعكس اعتماد أهالي القرية على الزراعة كمصدر أساسي للعيش.
العادات والتقاليد واللباس الفلسطيني
وانتقلت الحاجة حسنية إلى الحديث عن العادات والتقاليد التي كانت سائدة في كردانة، مشيرةً إلى أن الأعراس كانت تبدأ بـ ليلة الحنّة للعروس والعريس، بما تحمله من مظاهر الفرح والاحتفال الشعبي.
كما استذكرت الأكلات الشعبية التي اشتهر بها أهالي القرية، وفي مقدمتها الملوخية، مؤكدةً أنها ما زالت تحافظ على إعدادها حتى اليوم، باعتبارها جزءًا من الموروث الفلسطيني الذي حملته معها من الوطن.
وتحدثت كذلك عن اللباس الفلسطيني التقليدي؛ فكانت النساء ترتدين الثوب الطويل المطرّز مع الحطّة النسائية، فيما كان الرجال يرتدون القمباز والحطّة والعقال، في مشهد يعكس حضور الهوية الفلسطينية في تفاصيل الحياة اليومية.
مسيرة التهجير… من كردانة إلى لبنان ثم سورية
وعند الحديث عن النكبة ومسيرة التهجير، استعادت الحاجة حسنية مشاهد الخروج القسري من كردانة، قائلة:
«صاروا يضربوا علينا، صرنا نطلع كل عيلة أو عيلتين مع بعض».
وأضافت أنها كانت في الثالثة من عمرها، فأخرجها أهلها على ظهر حمار، ومرت العائلة خلال رحلة النزوح بعدد من القرى، وسط مشقة السير والخوف والتعب.
واستعادت تلك اللحظات بكلمات تختصر قسوة الرحلة، قائلة:
«يا ويلي علينا… مشينا وتعذّبنا حتى وصلنا للبنان».
وفي لبنان، أقامت العائلة في الخيام نحو ستة أو سبعة أشهر، قبل أن تواصل رحلة اللجوء عبر القطارات باتجاه سورية.
وأوضحت أنهم وصلوا بعد ذلك إلى قرية في منطقة منبج، حيث مكثوا نحو شهرين، قبل أن ينتقلوا إلى مخيّم النيرب في حلب، حيث أقاموا في بركس كبير.
برد اللجوء وجوعه… وذاكرة «ثلجة الخمسين»
وتحدثت الحاجة حسنية عن قسوة الحياة في مخيّم النيرب، وما رافق سنوات اللجوء الأولى من الجوع والبرد والمعاناة.
واستعادت مشهدًا بقي محفورًا في ذاكرتها منذ طفولتها، حين شهدت ما عُرف بـ «ثلجة الخمسين»، مشيرةً إلى أن الثلوج كانت تدخل إلى البركس، وأنها كانت ترى «الشمعدان» يتدلّى من سقفه، في ظروف قاسية للغاية.
وأضافت أن تلك الأجواء القاسية تسببت في وفاة عدد كبير من الأطفال، في واحدة من أكثر الذكريات إيلامًا التي بقيت حاضرة في ذاكرتها عن سنوات اللجوء الأولى.
«الوطن كل شي»… حق العودة لا يقبل المساومة
وفي ختام شهادتها، طُرح على الحاجة حسنية سؤال حول موقفها من التعويض المالي مقابل التنازل عن مسقط رأسها كردانة، فجاء ردها حاسمًا، مؤكدةً رفضها لأي تعويض مقابل الوطن، وقالت:
«لأ، ما ببيع، لأن هاي بيتنا وبلادنا ووطننا».
وأضافت:
«الوطن كل شي، الواحد بدونه ما بيسوى شي».
وأكدت تمسكها بحق العودة قائلة:
«حق العودة متمسكين فيه».
واستحضرت ما غرسه والدها في نفوس أبنائه من ارتباط بالأرض والكرامة، قائلة:
«أبوي زرع فينا حب أراضينا وبلدنا، وإن كرامة الواحد ببلدوا».
وفي عبارة تختصر عقودًا من الانتظار والحنين، أكدت الحاجة حسنية أن العودة بالنسبة إليها ليست مرتبطة بالعمر أو الظروف، وقالت:
«إذا تحررت برجع وأنا مستوية عالعكّازة، صدّقني برجع».
وتأتي شهادة الحاجة حسنية محمد حسن أحمد «أم محمد» ضمن سلسلة الشهادات التي توثّقها مؤسسة «هويّة» في إطار المشروع الوطني للحفاظ على جذور العائلة الفلسطينية وتوثيق الذاكرة الشفوية لجيل النكبة، بهدف حفظ تفاصيل الحياة الفلسطينية في القرى والمدن قبل النكبة، وتوثيق العادات والتقاليد وشجرات العائلات، ومسارات التهجير واللجوء، وتعزيز حضور الذاكرة الفلسطينية لدى الأجيال القادمة، تأكيدًا على التمسك بالأرض والوطن وحق العودة.
