مؤسسة «هويّة» توثّق شهادة الحاجة آمنة إبراهيم خلايلي دياب من الجِشّ
حلب – حيّ السبيل | الأحد 2 آب / أغسطس 2026
ضمن فعاليات المشروع الوطني للحفاظ على جذور العائلة الفلسطينية وتوثيق الذاكرة الشفوية لجيل النكبة، واصل مندوب مؤسسة «هويّة» جولته في مدينة حلب، متنقّلًا بين أبناء القرى والمدن الفلسطينية، بهدف توثيق شهادات جيل النكبة وحفظ تفاصيل الحياة الفلسطينية قبل التهجير، ومسيرات اللجوء التي عاشتها العائلات الفلسطينية منذ عام 1948.
وفي هذا السياق، أجرى مندوب المؤسسة لقاءً مع الحاجة آمنة إبراهيم خلايلي دياب «إم إياد أبو خشبة»، من الجِشّ – قضاء صفد، مواليد عام 1944، وذلك في منزلها الكائن بالقرب من مسجد الرحمن في مدينة حلب – حيّ السبيل، لتوثيق شهادتها حول قريتها ومسيرة اللجوء التي عاشتها عائلتها إبان التهجير من الجِشّ.
وجرى تنسيق اللقاء مسبقًا مع الحاجة آمنة، التي استقبلت فريق المؤسسة بكل محبة وترحاب، في أجواء غلب عليها الشوق والحنين إلى فلسطين، واستحضار تفاصيل الطفولة والقرية والوطن الذي بقي حاضرًا في ذاكرتها رغم مرور عقود طويلة على النكبة.
وفي مستهل اللقاء، قدّم فريق مؤسسة «هويّة» تعريفًا بالمؤسسة ورسالتها في توثيق الذاكرة الشفوية الفلسطينية وحفظ جذور العائلات الفلسطينية للأجيال القادمة، كما جرى تدوين شجرة عائلة الحاجة آمنة، ابتداءً من جدّها الأكبر أحمد، في إطار العمل على حفظ الأنساب والجذور العائلية الفلسطينية.
«أنا آمنة إبراهيم خلايلي... مواليد الجِشّ»
بدأت الحاجة آمنة شهادتها بالتعريف عن نفسها قائلة:
«أنا آمنة إبراهيم خلايلي، مواليد الجِشّ – 1944، خرجت من فلسطين وعمري نحو خمس سنوات».
واستعادت الحاجة آمنة جانبًا من تفاصيل الحياة في الجِشّ، ووصفت منزل أهلها بأنه كان يتكوّن من غرفتين ومطبخ ومنافع، إضافة إلى تبّان يوضع فيه التبن للحيوانات، وكانت تحيط بالمنزل حاكورة تُزرع فيها أنواع من الخضروات والنباتات، ومنها الخسّ والتين والميرمية.
وتحدّثت عن الحياة الزراعية في القرية، موضحةً أن والدها كان يعمل مزارعًا في أرضه، التي ضمّت كروم الزيتون والتين والعنب، إلى جانب مختلف أنواع الخضروات والفواكه. وكان يمتلك حصانًا يستخدمه لنقل المحاصيل وبيعها في مدينتي صفد وحيفا.
وكان التين من أكثر المحاصيل التي اهتم والدها بزراعتها، إذ كان يجففه ويبيعه بما كان يُعرف باسم «القُطّين».
وأشارت إلى أن عدد سكان الجِشّ كان يُقدّر بنحو خمسة آلاف نسمة، من المسلمين والمسيحيين، وكانت القرية تضم كنيستين وديرًا ومسجدين، كما كان فيها مضافة للمختار، زوج عمتها، الحاج عبد اللطيف خلايلي، الذي وصفته بأنه كان يتّصف بالهيبة والوقار.
وتطرقت كذلك إلى عدد من عائلات الجِشّ، ومن بينها الخلايلي، عزّام، زيدان، ياسين وغيرها، كما استحضرت أسماء بعض القرى المحيطة بالجِشّ، ومنها سعسع ودلّاتة.
أعراس الجِشّ وعاداتها الاجتماعية
ومن بين الذكريات التي احتفظت بها الحاجة آمنة من قريتها، حديثها عن العادات والتقاليد التي كانت ترافق الأعراس، موضحةً، نقلًا عن أجدادها، أن العرس كان يستمر من ستة إلى سبعة أيام، تتخلله تعليلة العروس، وكانت تُدعى إليها عائلات القرى المجاورة.
وتروي أن كرم أهل القرى كان يظهر في وقوفهم إلى جانب أهل العريس، من خلال إحضار الذبائح والضيافات، فيما كان الأرز يُطبخ مع اللحم ويُقدّم على الحُصر، وتُقام الولائم للأهالي طوال أيام الزفاف.
كما استحضرت أجواء الفرح التي كانت ترافق الأعراس، ومنها العزف على الأرغول والقصيب، وذكرت عمّها الحاج أبو جميل جوهر الذي كان يعزف على الأرغول، فيما كانت العروس تُزف في نهاية العرس على ظهر الحصان.
واستعادت الحاجة آمنة من ذاكرتها حفل زفاف شقيقتها «إم سعيد حديري»، باعتباره واحدًا من المشاهد التي بقيت راسخة في ذاكرتها من حياة القرية.
«كبة السمك» وذكريات حيفا
ولم تخلُ شهادة الحاجة آمنة من الحديث عن المأكولات الشعبية التي كانت تشتهر بها الجِشّ، فتوقفت عند «كبة السمك»، موضحةً أن والدها كان يذهب إلى منطقة الحولة لجلب السمك الذي كان يُعرف باسم «بربليط»، لتقوم والدتها بطهيه.
كما استحضرت ذكرى من طفولتها حين ذهبت برفقة والدتها إلى مدينة حيفا لزيارة شقيقتها، إلا أنها ضاعت هناك لعدة أيام، وهي حادثة بقيت حاضرة في ذاكرتها حتى اليوم.
من الجِشّ إلى مخيمات اللجوء
وعند انتقال الحديث إلى النكبة ومسيرة التهجير، عادت الحاجة آمنة بذاكرتها إلى الأيام القاسية التي عاشتها عائلتها عام 1948، قائلةً:
«أول ما وصلنا صار علينا الضرب بالطيران».
وأوضحت أنها خرجت من الجِشّ برفقة أهلها وإخوتها وشقيقتها أم سعيد، التي استشهد زوجها لاحقًا إثر انفجار لغم به، مشيرةً إلى أن العائلة قطعت مسافة طويلة سيرًا على الأقدام، من الجِشّ حتى بنت جبيل، ثم توجهوا إلى صور، ومنها انتقلوا بالقطارات إلى سورية.
وتروي أن أفراد العائلة تفرّقوا في طريق اللجوء؛ فنزل قسم منهم في مخيم حمص، فيما وصلت هي وعائلتها إلى حلب، حيث أقاموا في قشلة الترك بمنطقة العرقوب، داخل مهاجع كانت مخصّصة للخيول، وعاشوا فيها نحو ثمانية أشهر.
وبعد ذلك، انتقلوا إلى مهاجع مخيم النيرب، حيث أقاموا في البركس رقم 46، ثم في البركس رقم 35، لتبدأ مرحلة جديدة من حياة اللجوء التي فرضتها النكبة على العائلة، بعيدًا عن الجِشّ التي بقيت حاضرة في وجدان الحاجة آمنة.
«رأيت التغريبة بأمّ عيني مرتين»
وفي وصفها لمسيرة الهجرة واللجوء، عبّرت الحاجة آمنة عن عمق الألم الذي حملته ذاكرتها، معتبرةً أنها رأت «التغريبة» بأمّ عينيها مرتين؛ الأولى خلال نكبة عام 1948، والثانية خلال موجة الهجرة التي شهدتها المنطقة عام 2015 باتجاه أوروبا.
وبين التغريبتين، ظلّ الوطن حاضرًا في وجدانها، وظلّت الجِشّ بالنسبة إليها أكثر من مجرد مكان ولادة، بل ذاكرة وهوية وأرضًا لا يمكن أن تُستبدل.
«ما ببدّل تراب بلدي بمال الدنيا»
وعند سؤالها عن موقفها من التعويض المالي مقابل مسقط رأسها الجِشّ، جاء جواب الحاجة آمنة حاسمًا، رافضةً أي مساومة على الوطن أو الأرض، قائلةً:
«أعوذ بالله، مستحيل. ما ببدّل تراب بلدي بمال الدنيا، ما ببيع مسقط رأسي».
وأضافت:
«بتمنّى إنّي أموت وأندفن بقبر جدّي إلي هناك».
وأكدت أن الجِشّ ما زالت بالنسبة إليها الوطن والأرض والسعادة والمتنفّس، قائلةً:
«الجِشّ هي وطني وأرضي وسعادتي ومتَنَفّسي».
وفي تعبير يجسّد عمق تمسّكها بحق العودة، قالت:
«إذا تحرّرت برجع، لو عالكرّاجة، لو عالكرسي لأرجع».
واختتمت الحاجة آمنة رسالتها للأجيال القادمة بوصية تختصر عقودًا من التهجير واللجوء والحنين:
«بوصّيكم أن تضلّوا متمسكين بوطنكم».
وتأتي شهادة الحاجة آمنة إبراهيم خلايلي دياب ضمن سلسلة الشهادات التي توثّقها مؤسسة «هويّة» لجيل النكبة، لتبقى تفاصيل القرى الفلسطينية، وعادات أهلها، وأسماء عائلاتها، وذكريات أهلها، ومسيرات تهجيرهم، محفوظةً في الذاكرة الشفوية للأجيال القادمة، ولتؤكد أن الذاكرة الفلسطينية ليست مجرد حكايات من الماضي، بل جزء أصيل من الهوية والجذور وحق العودة
.