ضمن سلسلة لقاءات شهود النكبة.. الحاج أحمد الثوابتة يستعيد ذاكرة قريته في بئر السبع
ضمن سلسلة **لقاءات شهود النكبة*، التقى مندوب مؤسسة *هوية* في الأردن بالحاج **أحمد أحمد محمد ثابت الثوابتة**، من مواليد **عشيرة الثوابتة في بئر السبع عام 1938**، الذي استعاد خلال اللقاء تفاصيل من ذاكرة القرية وحياتها قبل النكبة، مستندًا إلى ما بقي راسخًا في ذاكرته منذ الطفولة.
واستعرض الحاج أحمد موقع عشيرة الثوابتة، موضحًا أنها تقع على بُعد نحو **30 كيلومترًا جنوب بئر السبع**، ونحو ثلاثة كيلومترات عن قرى الفلاحين شمالًا، وكانت منطقة **وادي الحِسا** تفصل بينها وبين عدد من القرى، ومنها برير والفالوجة وغيرها.
وخلال اللقاء، وصف الحاج أحمد تفاصيل الحياة اليومية في القرية، مشيرًا إلى أن الأهالي كانوا يعتمدون على الزراعة وتربية المواشي؛ فكانوا يزرعون **القمح والشعير والعدس والمقاثي**، ويمتلكون من المواشي ما يكفي معيشتهم. كما تحدث عن دكان القرية الوحيد، وعن اعتماد الأهالي على قرية برير لتأمين بعض احتياجاتهم.
واستعاد الحاج أحمد صورة منزل عائلته، قائلًا إن البيت كان مبنيًا من **الطين والقصل**، وكانت إلى جواره شجرة توت كبيرة، قبل أن يهدم الاحتلال الإسرائيلي البيت ويحرق شجرة التوت. كما تحدث عن بئر الماء الذي كان يخدم أهل القرية، وعن مسجدها الذي كان الشيخ صباح يؤذن فيه ويؤم المصلين، إضافة إلى المدرسة التي كانت تضم حتى الصف السابع، والتي درس فيها حتى الصف الثالث، وكان شقيقه **محمد أحمد ثابت** أحد معلميها.
ولم تكن ذاكرة الحاج أحمد مقتصرة على أسماء الأماكن والبيوت، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة الاجتماعية؛ فتحدث عن النساء ودورهن في إدارة شؤون الأسرة وتربية الطيور وبيع فائضها، وعن شخص كان يمارس **الطب العربي** في القرية، وهو ابن خاله **طلب ثابت**، فيما كانت الإنارة تعتمد على السراج.
كما استذكر وجهاء عشيرة الثوابتة، ومن بينهم خاله **الشيخ بركة ثابت**، ووالده **أحمد ثابت**، و**سعيد ثابت** الذي كان يجمع الضرائب لحكومة الانتداب البريطاني.
### مخطط القرية.. ذاكرة في مواجهة النسيان
ومن أبرز ما حمله اللقاء توثيق مخطط عشيرة الثوابتة؛ إذ طلب الحاج أحمد من ابنه **خالد** رسم مخطط للقرية اعتمادًا على ما بقي في ذاكرته من مواقع البيوت وأصحابها والعائلات التي كانت تسكنها، ومن كانوا جيرانًا لهم.
وأوضح أن هذا المخطط لم يكن مجرد رسم للأماكن، بل كان محاولة لحفظ **الذاكرة المكانية والاجتماعية للقرية**، ودحض الرواية التي حاولت تصوير فلسطين على أنها أرض بلا شعب، من خلال توثيق أسماء العائلات وبيوتها ومسجدها ومدرستها ومرافقها وحياتها اليومية.
### الخروج تحت الخوف.. من الثوابتة إلى رفح
وعن النكبة، تحدث الحاج أحمد عن أجواء الخوف التي سبقت خروج الأهالي، مشيرًا إلى أنهم سمعوا أخبار القتل والمجازر التي وقعت في القرى المجاورة، بعدما بدأ تدمير البيوت في المدن الساحلية ثم امتد إلى القرى.
وقال إن الخوف من القتل والتنكيل دفعهم إلى مغادرة قريتهم، حاملين معهم ما خفّ حمله، والتنقل من قرية إلى أخرى؛ فوصلوا إلى المنطقة القريبة من الخليل وعلى مشارف **الدوايمة**، حيث مكثوا عدة أيام، ثم حل الشتاء، فاتجهوا مرورًا إلى **كوكبا** ثم **بيت طيما**، حيث أقاموا لبعض الوقت لدى معارف لهم، قبل أن يتوجهوا إلى **رفح** ويستقروا فيها.
ورغم مرور عقود طويلة على النكبة، بقيت صورة القرية حاضرة في ذاكرة الحاج أحمد، الذي اختتم حديثه بكلمات تختصر ارتباط الإنسان بأرضه وحقه في العودة، قائلًا:
**«ما في ليلة ما بشوف مكان عشيرتي ومولدي.. والله مستعد أرجع من بكرة وأستشهد فيه».**
إن شهادة الحاج أحمد ليست مجرد استعادة لذكريات الطفولة، بل **وثيقة شفوية حية** تحفظ أسماء البيوت والعائلات والمعالم وتفاصيل الحياة اليومية، وتؤكد أن وراء كل قرية فلسطينية ذاكرةً وشعبًا وحياةً متكاملة، وأن ما تهدم بالحجر لا يمكن أن يُمحى من الذاكرة
