يافا التي لم أرها... كما زرعها سيدي في قلبي
أنا أحد أحفاد عائلة أبو مسلم اليافية. وُلدت وعشت في قطاع غزة، ولم تكتحل عيناي يومًا برؤية يافا. لم أمشِ في شوارعها، ولم ألمس ماء بحرها، ولم أتنفس هواءها، لكنني أعرفها جيدًا... أعرفها من حكايات سيدي، ومن صوته الذي كان يرتجف شوقًا كلما حدثني عنها.
كان سيدي يجلس ويستعيد أيام يافا، فيحدثني عن بيارات البرتقال التي كانت تفوح رائحتها في أرجاء المدينة، وعن الميناء وحركته، وعن بيوت العائلة، وعن تفاصيل الحياة الجميلة التي عاشها أهلها قبل نكبة عام 1948.
كان يصف لي شوارعها وأزقتها وكأنه ما زال يراها أمامه. وكان يحكي لي عن يوم الرحيل، وكيف خرجوا من يافا قسرًا وهم يظنون أن الغياب لن يطول، وأن العودة ستكون بعد أيام قليلة. لكن الأيام تحولت إلى سنوات، والسنوات إلى أجيال، وكانت غزة المحطة التي استقر فيها جزء من العائلة بعد النكبة.
اليوم، تفرقت فروع عائلة أبو مسلم في أنحاء قطاع غزة؛ فمنهم من يعيش في شمال القطاع، ومنهم من استقر في حي الرمال في مدينة غزة، ومنهم في المنطقة الوسطى، وصولًا إلى خانيونس جنوبًا.
ورغم هذا الانتشار، ورغم ما مر ويمر به أهلنا في غزة من ظروف قاسية وتحديات كبيرة، بقيت يافا حاضرة في وجدان العائلة. تلك المدينة التي لم أرها بعيني، زرعها سيدي في قلبي من خلال حكاياته، حتى أصبحت جزءًا من ذاكرتي وكأنني عشت فيها.
إن عائلة أبو مسلم اليافية، بفروعها الممتدة في قطاع غزة، لم تنسَ أصلها. رحل الأجداد، وبقينا نحن الأحفاد نحمل ما وصلنا منهم من أسماء ووثائق وحكايات وذكريات، ونحاول أن نحفظها للأجيال القادمة.
أكتب هذه الكلمات عبر مشروع هوية، لا لأروي حكاية مدينة فحسب، بل لأحفظ شهادة عائلية انتقلت من جيل إلى جيل.
أكتبها لسيدي، ولأقول له:
إن يافا التي لم أرها بعيني، أراها في حكاياتك، وأحملها في قلبي.
وإن المكان قد يغيب عن العين، لكنه لا يغيب عن الذاكرة.
فما حمله الأجداد من يافا لم يكن مجرد أسماء وذكريات، بل كان جزءًا من هوية عائلتنا وذاكرتها التي نحرص على أن تبقى محفوظة للأبناء والأحفاد.
يافا التي لم أرها، ستبقى حاضرة في قلبي، وفي حكاية عائلتي، وفي ذاكرة الأجيال القادمة.