شكرا من القلب لمنبر ديوان العرب وللكاتبة Mayada Solaiman على هذا الحوار الهادف المتمثل بالمرونة والمصداقية.
حواري مع الكاتبة الفلسطينيّة نُزهة الرَّملاويّ
لموقع ديوان العرب.
* موجز السِّيرة الذَّاتيَّة للضَّيفة:
نزهة رمضان الرملاوي مكان الولادة: القدس حاصلة على الماجستير في التاريخ العربي الإسلامي من جامعة بيرزيت. عضو في ندوة اليوم السابع الثقافية المقدسية
من مؤلفاتها: عشاق المدينة \مجموعة قصصية كرنفال المدينة \ رواية ذاكرة على أجنحة الحلم/ رواية
تراتيل في سفر روزانا/ رواية
قصص للأطفال واليافعين
الشجعان والمارد العملاق/ رواية لليافعين.
القبعات الملونة
قراءة من وراء الزجاج
عُمر حبيب القمر
الفراشات المضيئة
_ ماذا يعني أن يكون المرء مقدسيًّا، يفتح عينيه منذ الطّفولة على الدَّمار، والسِّلاح، ويسمعُ أصوات الانفجارات بدلًا من ترانيم الفرح؟
يعني أن يكون أسطورة بقاء في وجه التّهجير والتّهويد، وأن يثبت على هذه الأرض، لأنّ ما فيها يستحقّ الحياة، القدس حاملة الرّسالات مهد الحضارات، لكلّ حجر فيها حكاية، ولكلّ عهد فيها ذاكرة تاريخية عظيمة، حفظناها أباً عن جدّ، القدس ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، على ترابها ولدنا، وفي باطنها سنرقد إن شاء الله.
القدس تكتبني، هي بطلة قصصي وملكة رواياتي، سكنتني وعاشت في داخلي، شربت أبجدياتي من سبلها، وامتزجت بها روحي.
وجودك في القدس يعني أن تحيّي شوارعها وحاراتها وأزقتها وأقواسها المنحنية صباح مساء، أن تقف احتراما أمام أسوارها الشّامخة، وأن ترابط فيها رغم تبديل الوجوه وانكسارات الزّمن، يعني أن تكون العاشق لمعشوقة لا مثيل لها، أن تضمد جرحها، وتتأدب في حضرتها، تتمسك بها وتعمل على نهضتها، وحمل إرثها وتاريخها والدفاع عنها.
_ شاركتِ في كتاب (رسائل عربيَّة) الصَّادر عن مركز السَّنابل للعام ٢٠٢٥، برسالة عنوانها (الحبّ في زمن الحرب).
ما هي رؤيتك للحبِّ في زمن الحرب، وهل بِالحبِّ نقاوم الحروب؟
الحب في زمن الحرب يتحوّل إلى مقاومة. الحرب يعني قتل الانسانية والتدمير والخراب، أمّا الحب يعني إبقاء الصلاح وجهة لحياة كريمة آمنة، ويرمم النّفوس من الظلم والاستبداد والحقد، ويحفظ للأماكن ناسها وهيبتها وتاريخها.
ربما تكون رسائل الحبّ المكتوبة رسائل عتاب من انسانة مُحبّة آملة بإيقاف حرب الإبادة والتّجويع والتّشريد التي شُنّت على أهلنا في غزة، أبكتني المشاهد، لذا كان من واجبي أن أكتبها، لعلّ العالم يلتفت إلى غزة الذبيحة ويوقف المقتلة.
في لحظات يأس كنت أهرب فيها من الكتابة، لحظات أحسست فيها أن الكتابة لا تجدي في زمن الصّمت والتّخاذل، انها لا تطعم جائعا ولا تقاتل، لكنّ المشاهد القاسية الصادمة، تأتيني على عجل، تحرك الانسانية فيّ من جديد، ويكون حبي لغزة والوطن أكثر صدقا والتصاقا بالإنسانية، وأكثر إحساسا بألم النازحين والفاقدين والجائعين فأكتب حزنهم وأعيش لحظات قهرهم وصبرهم وتحدياتهم، عبر الشاشات الاخبارية.
الكتابة حبّ خارج من الشعور والحقيقة، حبّ مشرق باق في وجه آلة القتل التي تحصد الأرواح، حبّ لا يطلب المستحيل، يطالب بالعدالة وتقديم المعونات وفتح المعابر الموصدة في وجه دواء المكلومين ورغيفهم.
_ شاركتِ في إحياء يوم اللغة العربيَّة في عدد من مدارس القدس.
في ظلِّ أوضاع الاحتلال، كيف تُقاومون التَّهويد، وتحافظون على هُويَّة اللغة العربيَّة؟
-سؤال لا بدّ أن يطرح في ظل هذه الهجمة الممنهجة ضد مدارسنا ومناهجنا في مدينة القدس، وإجبارها على تدريس المناهج الاسرائيلية، ومتعمدة في طرحها، تهميش تراثنا وثقافتنا وحضارتنا وقيمنا وعقائدنا الاسلامية، تعمل على تزييف التاريخ العربي في فلسطين. لذا نتمسك بقيمنا وتراثنا ولغتنا العربية أثناء طرحنا للمواد أمام الطلبة، نعزز قيم التعاون والتكافل والبحث والتجريب على أسس علمية، نقوي صلاتهم بالأهل والمجتمع المحلي والمدرسي، نغرس فيهم قيم الانتماء للوطن والعائلة، ونعزز الأخلاقية السامية، وقيم الانتماء للوطن، نعلي من شأن العربية، نتخلى عن المفردات الأجنبية الدخيلة.
_ قدَّمتِ العديد من القراءات النَّقديَّة في ندوة (اليوم السّابع المقدسيَّة).
هل تضطلع هذه النَّدوة وحدَها بتغطية جزءٍ كبيرٍ ممّا يُكتب، أم توجد فعاليَّات نقديَّة أخرى مشابهة لها عندكم؟
-تنفرد ندوة اليوم السابع الثقافية المقدسية بتنوع مواضيعها وسيرورتها على مدى خمس وثلاثين عاما، أسسها عدد من الكتاب، واستلمت إدارتها لاحقا الأديبة ديما السمان والكاتب جميل السلحوت حتى اليوم.
كان رواد الندوة يجتمعون في مسرح الحكواتي من كل أسبوع لمناقشة كتاب ادبي، أو محاضرة ثقافية او مشاهدة مسرحية، ويعرض رواد الندوة مناقشات عميقة حول الأعمال الأدبية والفكرية والثقافية الفلسطينية والعربية.
تستضيف الندوة بعض الأدباء والمفكرين، وتحمل على كاهلها دعم الكتاب والمبدعين المحليين والعرب، وتشجّع الحراك الثقافي في المدينة،
وتعمل كذلك على إنشاء حوارات متعددة الجوانب والثقافات.
تبدلت الأحوال بعد جائحة كورونا، لكنها حافظت على أهدافها، وراحت تستقطب أهل الرأي والكتّاب من كافة المدن الفلسطينية والعربية والعالمية، عبر الفضاء الأزرق والمنصّة الالكترونية بتقنية (زووم) وتسجل حلقاتها وترفع مناقشات الكتاب التي جرت في الندوة إلى معظم القنوات الأدبية والثقافية.
تعتبر سيرورة المنتديات والمراكز الثقافية في القدس المحاصرة بحواجز الاحتلال والظروف الاجتماعية الصعبة، أداة فاعلة مقاومة لكسر جمود الحراك الأدبي والثقافي فيها.
لذا نلاحظ أن المسارح المقدسية كمسرح الحكواتي ومسرح يبوس وغيرهما، يتعرضون للمضايقات والتشديد والحصار، إضافة إلى كبح جماح الصالونات والمقاهي الأدبية، ومساءلة الممثلين والكتاب.
ولا يخفى علينا ما تقوم به جامعة القدس من تنظيم بعض المبادرات الثقافية وتكريم المثقفين والمعلمين، وتبادل الخبرات الثقافية والتعليمية. وكذلك ما تعمل مؤسسة الراحل فيصل الحسيني التي تجري المسابقات العلمية والأدبية المختلفة بين المدارس، لتعزيز الصمود المجتمعي والثقافي في المدينة. إضافة إلى بعض المراكز والقاعات التي تستقبل الزوار لمشاهدة الأعمال الفنية للفنانين الفلسطينيين.
_ لديكِ قصَّة للأطفال عنوانها(عُمَر حبيب القمر)، تطرَّقتِ فيها إلى حالة (أطفال القمر) المرَضيَّة.
كيفَ من خلالها طرحتِ المشكلة، وعلَّمتِ الأطفال مواجهة التَّحديات المحيطة بهم؟
لقد لفتَ نظري مقال عن ( أطفال القمر) ومعاناتهم اليومية مع هذا المرض النادر، خاصة أنهم لا يتعرضون لاشعة الشمس بتاتا، ويعانون من طفح جلدي وتسلخات واحمرار، قررت طرح المشكلة ولفت نظر المجتمع إلى هذه الفئة من المرضى، والاهتمام بها.
ركزت القصة على دور الأم التي لم تدع ابنها ينهزم أمام المرض، فكانت الحضن الحنون، والمعلمة الأولى التي غرست فيه قيمة الصبر عبر قصة النبي أيوب – عليه السلام
ربطت مشكلة عمر الصحية وما يعانيه بقصة سيدنا ايوب عليه السلام، الذي صبر على مرضه حتى شفي تماما، وحاولت غرس بعض القيم الأخلاقية والسلوكية كالصبر والتعاون أنّ التّكنولوجيا رغم سلبياتها قد تكون وسيلة إيجابية، وأن المرض لا يقضي على الأمل، وأن لكل مشكلة حلًا، ولكل إنسان قدرة على النهوض من جديد.
القصة تزرع في الطفل القارئ قيمة التعاطف مع ذوي الاحتياجات الخاصة، وتربّيه على قبول الاختلاف، والتعاون والصبر والتآلف العائلي.
أبرزت دور الأهل في اكتشاف موهبة عمر وتشجيعه. فقد برع عمر في الرسم، فساعده خاله المهندس على استثمار موهبته عبر الحاسوب ومواقع التواصل، ليتمكن من جمع المال اللازم لشراء القناع الطبي الذي يحميه من الشمس. وهكذا تحولت موهبة الرسم من مجرد هواية إلى جسر يعبر به نحو حياة جديدة.
وتمكنت الأم من شراء بدلة خاصة تشبه بدلة رجال الفضاء يستطيع بها عمر ان يمارس حياته الطبيعية تحت الشمس، وتمكن من الذهاب الى المدرسة والالتحاق بفريق الحي للعب كرة القدم.
_ عُدَّت روايتكِ (ذاكرة على أجنحة حلم)، نموذجًا للحداثة في الرِّوايةِ الفلسطينيَّة.
ما هيَ سِمات الحداثة الَّتي تجلَّت في الرِّواية؟
لن أتحدث عن الحداثة في الرواية، وسأترك الإجابة للدكتورة الناقدة الكاتبة روز شعبان التي عالجت البناء الفني والحداثي في الرواية في كتابها النقدي ( سمات الحداثة في الرواية العربية المعاصرة ) قائلة:
" استخدمت الكاتبة نزهة الرملاوي الأسلوب الحداثيّ في كتابة روايتها، وفق نظام تأليفيّ تخييليّ، بطريقة فنّيّة إبداعيّة، فقد قامت الكاتبة بتنظيم الأحداث في صياغة فنّيّة، حسب ظهورها في الخطاب السرديّ، ولم تتّبع في طريقة عرض أحداث الحبكة التطابق والتسلسل الزمنيّ للأحداث في الحكاية، كما هو متّبع في الرواية التقليديّة، وإنّما اتّبعت أسلوب الحداثة في ترتيب أحداث الحكاية، بطرق متعدّدة، فنجدها تلجأ إلى الأحلام، المونولوج، الاستذكار والاسترجاع كثيرًا في روايتها".
وتطرق الأستاذ عفيف قاروق في كتابة ( نافذة على الرواية الفلسطينية وأدب الأسرى) في تحليله لرواية تراتيل في سفر روزانا قائلا: "وبُلغة سهلة ومتينة اتسمت بطابع الحداثة بعد إدخالها الفيسبوك كوسيلة تواصل إلى جانب الرسائل الإلكترونية في تقنيات كتابتها هذا إضافة إلى اعتمادها تقنية الاسترجاع او الفلاش باك لتسّرُد لنا بعض الأحداث التي لها علاقة بشكل أو بآخر بالسياق العام للرواية".
_ مجموعتكِ القصصيَّة (عُشَّاق المدينة)، فازت في مهرجان زهرة المدائن للعام ٢٠١٨، ما مضمون قصصها؟
وهل نالت ما تستحقُّه من النَّقد؟
-المجموعة القصصية (عشاق المدينة) هي باكورة أعمالي الصادرة عن دار الناشر في رام الله عام ٢٠١٧، أهديت هذه المجموعة إلى القدس.. بكل تفاصيلها وعبقها وتاريخها المحفور عبر الزمن. إلى عشاقها الذين تنفسوها بهجة وحياة.
اعتبر الكتاب والباحثون عشــاق المدينــة قصــص مــن الأدب المقــاوم الــذي يحفــل بالكثيــر مــن
المعانــي الســامية، والمبــادئ الحــرة النّزيهــة، عبــّرت عــن انتمــاء الأفــراد للمدينـة خاصـة ولفلسـطين عامـة، تناولت نكسة المدينة وحزن أبنائها ومقاومتهم للتّهجير تهويد الأرض، كتبت فرحهـم من أبجديات النور وعشنا معا البساطة والحبّ والوفاء، رسمت أحلامنا في سماء المدينة، أنشدنا للوطن في ساحات الأقصى وعلى طرقاتها وعقباتها. ســلطت الضّــوء علــى الحيــاة الاجتماعيــة والسياســية والمناســبات الدينيــة.
عشاق المدينة هي استرجاع لذاكرة المدينة فــي حقبــة الســتينيات قبــل النكســة وبعدهـا مـن القـرن المنصـرم، استحضرت فيها ذاكـرتي كطفلـة عاشـت المرحلـة، شــدّني دفء الحــارات وحضــن الجيــران ولمـّـة الأحبــاب، وأغــان وتراتيــل تنتشــر كالبخــور فــي الكنائس والمعابد وعلى طاقات أولباء الله الصّالحين، أخذتني ألعـاب الأولاد ومشاكســاتهم فــي ســاحاتها، غفـت جدائلي علـى أدراجها، ثار حنيـني إلـى المدرسـة والصديقات والمعلمـات والجيران، نفضت الرّمــاد عــن الحقائــق، ومزجتهــا بالخيــال لأحداث وأشخاص سيبقون ناقوســا يــدقّ فــي ذاكــرة المدينة.
تأثر الكثيرون بهذه القصص واعتبروها متنفس الذاكرة في غربتهم.
كتب الكثير من الأدباء والكتاب والباحثين عن هذه المجموعة، ونوقشت في ندوة اليوم السابع المقدسية في القدس، ودار الفاروق في نابلس، واعتمدتها كلية القاسمي في باقة الغربية كأبحاث للطلبة في قسم اللغة العربية.
_ تُرجمت قصَّتكِ(حواجز الموت) إلى الإنكليزيَّة، في مشروع (أكاشيك بوكس).
حدِّثينا عن هذا المشروع:
مَنِ القائمون عليه، هل هو محلِّيٌّ، أم عربيٌّ، وما هي أهدافُه؟
- مشروع ممول من الولايات المتحدة لإخراج كتاب أدبي ضمّ مجموعة قصصية لأدباء مقدسيين، جمعتها الدكتورة راوية بربارة بعناية شديدة.
ساهمت فيه بقصة (حواجز الموت) أخرج الكتاب تحت اسم Jerusalem Noir .
القصّة تمثّل الواقع المؤلم الذي يعيشه الفلسطيني بعد أن شطرت مدينة القدس بجدار الفصل العنصري، وتفاقمت أزمة الساكنين وطال وقوف المقهورين على حواجز من الانتظار المميت. القصة تمثل عنصر المفاجأة لسيدة مقدسية، حلمت بزيارة المدينة، بعد أن فقدت مواطنتها كمقدسية بسبب عدم رجوعها بالوقت المحدد من أمريكا، لكنها تقتل بدم بارد على الحاجز ، لانها لم تسمع مناداة المنتظرين لها بسبب عبورها طريقا لا يسمح لها بعبوره من قبل الجنود الجاثمين بتسلط على الزمان والمكان.
_ ماذا قدَّمتِ من إبداعك، وفكرك للأطفال الأسرى،
وما هيَ رسالتُكِ لأُسرِهِم؟
حاولت الدخول لأعماق أطفال الأسرى وأكتب معاناتهم إثر أسر آبائهم، القصة تتحدث عن طفلة لم تتقبل أسر والدها، واحسّت بالقهر لعدم مشاركة والدها في قراءة قصة أمام زملائها في يوم اللغة العربية التي تحييه المدرسة. كان لا بد من ايجاد مخرج لتحقيق حلم الطفلة وقراءة والدها للقصة من وراء الزجاج في المعتقل، وهذا لا يحدث على أرض الواقع إطلاقا، ولكني حاولت تحقيق حلم طفلة، وإبدال الألم بالأمل، وذلك بتصوير الحدث وبثه مباشرة للمدرسة عن طريق هاتف المحامي.
_ كونك تنشرين في موقع ديوان العرب، هل من مقترحات لديكِ لتطويره، من حيث النَّشر أو المسابقات؟
أقدم جزيل شكري وامتناني لك الكاتبة ميادة سليمان، ولمنبر ديوان العرب على هذا الحوار العميق الجميل، نقدر اهتمام موقع ديوان العرب الإلكتروني الحرّ بالكتاب والمثقفين، وعدم تحيّزه لفئة أو طائفة أو مذهب معين، ونحيّي احترامه لآراء الكتاب وإعطائهم مساحة واسعة للتبادل الثقافي والفكري، نتمنى لمنبر ديوان العرب ممثلا بالكاتب عادل سالم، والصحافي أشرف شهاب دوام التّميز والنّجاح في عملهما ومواكبة التّطور التكنولوجي والإبداعي المرجوّ في فضاء وطننا العربي الكبير والمنصات العالمية.
