في إطار مشروعها الوطني لحفظ الذاكرة الشفوية وربط الأجيال بجذورهم، وضمن مبادرة توثيقية تعزّز صلة الأبناء بتاريخ الوطن، نظّمت مؤسّسة “هويّة” مساء الجمعة، بعد صلاة العصر، زيارةً ميدانية إلى مخيّم النيرب في حلب، وذلك بالتنسيق مع زوجها الحاج سعيد مصطفى إبراهيم، الذي كانت المؤسّسة قد أجرت معه مقابلةً توثيقية في وقتٍ سابق.
وضمّ وفد المؤسّسة الأستاذ زياد غضبان، الذي باشر بتسجيل شهادة الحاجة هناء محمد سعد الدين (مواليد عكّا عام 1948)، حيث استُهلّ اللقاء بتدوين شجرة العائلة ، قبل الانتقال إلى الحديث عن مسيرتها وسيرة مدينتها كما ورثتها عن والديها.
واستهلّت الحاجة شهادتها بالتعريف عن نفسها قائلة:
«أنا هناء محمد سعد الدين، من مواليد مدينة عكّا عام 1948. خرجتُ من المدينة وعمري شهران».
وروت، نقلاً عن والدها، أنّ عكّا كانت مدينةً جميلةً وكبيرة، تضمّ محطة قطار تربط بين المدن، وكان والدها يعمل مع جدّها في مهنة القصابة، يبيعان لحم الخاروف والماعز، واشتهرا ببيع “الفشافيش” المشوية. كما أشارت إلى أنّ والدها ذهب إلى مصر إبّان الانتداب البريطاني، وهناك تعرّف إلى والدتها وتزوّجها.
ووصفت منزل عائلتها بأنه دار عربي مؤلّف من أربع غرف، مستذكرةً ما كانت تردّده والدتها دائماً: «هديك الحياة غير هالحياة»، في إشارة إلى بساطة العيش آنذاك؛ إذ كانت تعجن الخبز بيديها وتطهو على “البابور”. ومن جيرانهم، بحسب روايتها: أم إسماعيل هوّاش، وعائلة ستيتي، وعائلة الصّنجي.
وعن ملامح المدينة، بيّنت أنّ عكّا كانت تضم أربعة مساجد كبيرة وعدداً من الكنائس، وأنّ العلاقة بين المسلمين والمسيحيين اتّسمت بالمودّة والتعايش، حيث كانوا يتبادلون التهاني في الأعياد. كما أشارت إلى مقام الولي “الويسي”، الواقع على تلّة بين عكّا وحيفا، والذي كان يحظى بمكانة رفيعة لدى أهالي المنطقة.
وفي حديثها عن العادات الشعبية، تحدّثت عن أكلة “صيّادية السمك” المشهورة لقرب المدينة من البحر، وعن الأزياء المتنوّعة بين القميص والبنطال والكلابيات والأمباز، إضافةً إلى الدبكات المختلطة في الأعراس. واستعادت أجواء ليلة الحنّة مردّدةً الأهزوجة التراثية:
«بالهنا يا أم الهنا يا هنيّة… واستوت عيني على شلبيّة… قولوا لأولاد عمّو يجولوا…».
وعن مسيرة الهجرة، أوضحت أنّها خرجت مع عائلتها وهي رضيعة، بعد قصف المدينة، حيث حملها ذووها على عجل. واستذكرت ما روته لها عائلتها عن حالة الهلع التي دفعت إحدى الجارات إلى حمل وسادة طفلها ظنّاً منها أنه ابنها. وساروا ليلاً سبعة أيام حتى وصلوا إلى بنت جبيل في جنوب لبنان، وقد أنهكهم التعب وتقرّحت أقدامهم من وعورة الطريق.
وأضافت أنّ العائلة مكثت في لبنان نحو عامين، ثم انتقلت إلى إدلب في سورية لفترة قصيرة، قبل أن تستقر في مدينة حماة، حيث أقاموا بدايةً في خيام نُصبت قرب القلعة، ووصفت تلك المرحلة بأنها من أصعب مراحل حياتهم، لما عانوه من بردٍ وقسوة ظروف المعيشة. وبعد ذلك انتقلوا إلى منطقة الشِّرفة في حماة، ثم إلى مخيّم حماة المعروف بـ“مخيّم العائدين”.
وفي سن الخامسة والعشرين تزوّجت من العم سعيد مصطفى إبراهيم، وانتقلت للإقامة معه في مخيّم النيرب في حلب، حيث بدأت فصلاً جديداً من حياتها.
واختتمت الحاجة هناء شهادتها بنبرة مؤثّرة قائلة:
«إذا تحرّرت برجع… عكّا بلدي».
«حلمي بالعودة لسا موجود».
«بوصّي أولادنا ما ينسوا فلسطين بلدنا».
«أبوي جاب مفتاح البيت واحتفظ فيه أملاً بالعودة».
