لقاء توثيقي بعد خطبة الجمعة في مسجد فلسطين بمخيم حندرات
حلب – مخيم حندرات
الجمعة 13 شباط / فبراير 2026
بعد حضور خطبة الجمعة التي حملت عنوان { ماذا أعددتَ لرمضان؟ } في مسجد فلسطين الكائن في مخيم حندرات بمدينة حلب، وفي أجواء شتوية ماطرة قبيل حلول شهر رمضان المبارك، جرى الاتفاق داخل المسجد مع مندوب مؤسّسة «هويّة» في حلب، الحاج حسين علي مرعي المعروف بـ"أبو محمد"، على إجراء لقاء توثيقي ضمن فعاليات المشروع الوطني الهادف إلى توثيق جذور العائلة الفلسطينية وحفظ ذاكرتها الشفوية.
وجاء اللقاء في سياق الجهود المستمرة لمؤسّسة «هويّة» لتعزيز الوعي بالذاكرة الوطنية، حيث استحضر الحاج ذكرياته وروايات أهله عن مسقط رأسه قرية النَّهر – قضاء عكا، في جلسة روحانية امتزج فيها التوثيق بالوجدان، والسيرة الشخصية بتاريخ وطنٍ لم يغادر أبناءه مهما طال المنفى.
توثيق الجذور العائلية
استُهلّ اللقاء بالتعريف بمؤسّسة «هويّة» ومنهجيتها في توثيق جذور العائلات الفلسطينية، والتأكيد على أهمية الذاكرة العائلية بوصفها ركيزة أساسية في الأرشيف الوطني الفلسطيني.
وجرى خلال الجلسة تدوين شجرة عائلة الحاج، إلى جانب شجرة عائلة زوجته، قبل أن يبدأ روايته الشخصية قائلاً:
"أنا حسين علي مرعي، من مواليد عام 1943، من قرية النَّهر – قضاء عكّا."
النَّهر كما تسكن الذاكرة
أوضح الحاج أنه غادر فلسطين في سن الخامسة من عمره، واصفاً منزل العائلة بأنه كان متواضعاً، يتكوّن من غرفة واحدة مبنية من الطين، وإلى جانبه قناة ماء لا تجفّ تمرّ بمحاذاته.
وأشار إلى عدد من عائلات القرية، ومنها آل عفيفة، الذين كانت لهم مكانة قريبة من حكومة الانتداب آنذاك. كما ذكر اسم قرية "التلّ" كما وردت في شهادة سابقة للحاج محمد حسين خليل.
وتطرّق إلى مرافق القرية من مساجد ودكاكين ومطاحن للحبوب كانت تعمل على مياه النهر، إضافة إلى القرى المجاورة مثل: كويكات، الغبسيّة، أمّ الفرج، والزِّيب، مشيراً إلى ما اشتهرت به المنطقة من زراعة البرتقال والليمون والموز والخضراوات لقربها من الساحل.
وبيّن أن القرية كانت صغيرة بعدد سكانها، وكان مختارها يُعرف بالشاذلي، مؤكداً عدم وجود طائفة مسيحية فيها آنذاك.
العادات والتقاليد
وعن الحياة الاجتماعية، استذكر أجواء الأعراس ودبكاتها الشعبية، واللباس التقليدي المكوّن من السروال والقميص المربوط بشملة.
أما شهر رمضان، فكان – كما وصف – موسماً للكرم والتعاون، حيث يتبادل الجيران الأطباق قبيل أذان المغرب، مشيراً إلى أن من أشهر أكلات أهل النَّهر "الكُبّة النيّة"، التي حافظ عليها مع والده حتى بعد اللجوء، وخصوصاً على مائدة رمضان.
النكبة ومسار اللجوء
وعن أحداث عام 1948، روى الحاج تفاصيل التهجير قائلاً:
"كان جدّي مع الثوّار جريحاً في مشفى عكّا، ومع بداية القصف خرجنا، كان والدي يحملني على كتفه وأخي الصغير على الكتف الآخر، فيما كانت والدتي تحمل أخي الرضيع."
وأضاف أنه يتذكّر مشهد الاختباء تحت شجرة الخرّوب أثناء إطلاق النار، ثم متابعة السير بين سنابل القمح في موسم الحصاد.
غادرت العائلة قريتها سيراً على الأقدام حتى مدينة صور اللبنانية، حيث مكثوا فترة قصيرة، قبل انتقالهم بالقطارات إلى محافظة حلب مع عدد من العائلات الفلسطينية.
وأشار إلى أنه تاهَ عن أهله في الطريق وهو في الخامسة من عمره، حتى وصل إلى قرية جِدّين، قبل أن يعود إليهم بمساعدة أحد الجيران.
واستقرّت العائلة في مخيم النيرب، في البركس رقم (6)، الذي ضمّ 16 عائلة تعاونت فيما بينها على مواجهة صعوبات اللجوء حتى عام 1983، حيث انتقل بعدها إلى مخيم حندرات.
موقف لا يقبل المساومة
وفي ختام اللقاء، وعند سؤاله عن مسألة التعويض مقابل مسقط رأسه النَّهر، انتفض الحاج بنبرة حاسمة قائلاً:
"أرفضُ رفضاً قاطعاً لذلك."
كما ذكر أنه عام 2013، ومع هجرة أبنائه إلى ألمانيا، عرض عليه أحدهم التوجّه إلى تركيا ومنها إلى أوروبا، إلا أنه رفض، معتبراً أن ذلك يرافقه شعور بالتخلّي عن الوطن.
وأضاف بصوتٍ يملؤه الإصرار:
"أدعو الله صباح مساء ألا أموت إلا على أرض فلسطين."
"صار عمري 83 سنة، وإذا تحرّرت بروح وباخد أولادي معي."
واختتم حديثه بعبارة تختصر سيرته وموقفه:
"الوطن هو الشرف."
