هويّة | المشروع الوطني للحفاظ على جذور العائلة الفلسطينية
حلب – مخيم النيرب
الأحد 8 شباط / فبراير 2026
في مساء الأحد الثامن من شباط/فبراير 2026، زار فريق مؤسّسة هويّة الحاجة فاطمة حسن التايه، المعروفة بـ"أم خضر جميلة"، في منزلها المتواضع داخل مخيم النيرب بمدينة حلب، وذلك ضمن فعاليات المشروع الوطني الهادف إلى توثيق جذور العائلة الفلسطينية وحفظ ذاكرتها الشفهية.
ورغم تدهور حالتها الصحية، وعدم مغادرتها منزلها منذ أكثر من ثلاث سنوات، وحرمانها من رؤية ضوء الشمس طوال تلك المدة، أصرّت الحاجة على الإدلاء بشهادتها، مستحضرةً روايات الأهل والذاكرة الموروثة عن مسقط رأسها حيفا، في جلسة إنسانية امتزج فيها التوثيق بالوجدان، والسيرة الشخصية بتاريخ وطن لم يغادر أبناءه مهما طال المنفى.
توثيق الجذور العائلية
استُهلّ اللقاء بالتعريف بمؤسسة «هويّة» ومنهجيتها في توثيق جذور العائلات الفلسطينية، والتأكيد على أهمية الذاكرة العائلية باعتبارها ركيزة أساسية في الأرشيف الوطني الفلسطيني.
وخلال الجلسة، جرى تدوين شجرة عائلة الحاجة، إلى جانب شجرة عائلة زوجها، بمساعدة ابنتها، قبل أن تبدأ الحاجة روايتها الشخصية، معرّفةً بنفسها قائلة:
"أنا فاطمة حسن التايه، من مواليد عام 1944، من مدينة حيفا."
حيفا كما تسكن الذاكرة
أوضحت الحاجة أنها غادرت فلسطين وهي في الرابعة من عمرها، ووصفت منزل العائلة الذي كان يتكوّن من غرفة كبيرة ضمن بناية ذات درج واسع، مشيرة إلى حيّهم المعروف باسم "سعادة". ولم تسعفها الذاكرة بأسماء الجيران سوى عائلة "محمديّة".
وتحدّثت عن والدها الذي كان يعمل "ريّسًا" يقود المراكب البحرية وينقل الناس بين المناطق الساحلية، ووصفت حيفا بالمدينة الشامخة الجميلة، المليئة بالخضار والفواكه، ولا سيما البرتقال وجوز الهند كبير الحجم طيّب المذاق.
كما استحضرت البحر الكبير الذي شكّل جزءًا من طفولتها، وزيارات والدتها لأعمامها وعمّاتها في صرفند، حيث كانت منازلهم مطلّة على البحر، متطرّقةً إلى البنية التحتية للمدينة من مساجد ومستشفيات ومطاحن، وإلى القرى المحيطة مثل عين غزال والطيرة، وما اشتهرت به من زراعة الزيتون ومراحله من القطاف إلى العصر والتخزين في خوابي كبيرة.
العادات والتقاليد
وعن الحياة الاجتماعية، استذكرت مشاهد الأعراس، ولا سيما زفاف أختها في غزة، متحدثةً عن ليلة الحنّاء، وزفّة العريس الممتطي فرسه تحت مظلّة مزينة بالنقوط والذهب، واللباس التقليدي المكوّن من الشروال والكلابيّات مع الحزّامات.
كما روت أجواء شهر رمضان، من صوت المسحّراتي إلى تبادل الأطباق بين الجيران قبيل أذان المغرب، مشيرةً إلى أن من أشهر أكلات أهل حيفا "صيّاديّة السمك"، التي حافظوا عليها حتى بعد اللجوء. واستعادت كذلك طقوس إعداد الكعك والمعمول و"الأزحة" مع والدتها في ليالي العيد.
النكبة ومسار اللجوء
وعن نكبة عام 1948، نقلت الحاجة ما روته لها عمّتها قائلة:
"خرجنا ليلًا تحت القصف، وأخذوا والدي إلى نابلس، وبقينا هناك شهرًا."
وأشارت إلى أن رجال المدينة كانوا مرابطين على أطرافها، ومن بينهم عمّها الذي استُشهد هناك.
ومن نابلس، انتقلت العائلة عبر القطارات مرورًا بـ لبنان، وصولًا إلى مدينة حلب، حيث استقرّوا في مخيم النيرب.
وفي المخيم، بدأت فصول المعاناة؛ إذ سكنت العائلة في البركس رقم (60)، وسط تعاطف الأهالي ومساندتهم، قبل أن تتابع الحاجة تعليمها في مدارس المخيم.
موقف لا يقبل المساومة
وفي ختام اللقاء، وعند سؤالها عن التعويض مقابل مسقط رأسها حيفا، انتفضت الحاجة بنبرة حاسمة رافضةً أي بديل عن وطنها، قائلة:
"لا… ما بستغني عن بلادي، بزتّ المصاري بوجههم."
"هاي بلادي فلسطين، بدي إياها كلّها."
"جنسية ما ببصم، ببصم على فلسطين، ما ببصم على غيرها."
وأضافت بصوتٍ متهدّج:
"إذا تحرّرت بروح على حيفا… خلّيني أموت هناك."
كلمات الحاجة أم خضر جميلة جاءت صادقة، نابضة بالوفاء، ومشحونة بحبٍّ عميق لفلسطين لم يخفت مع السنين؛ وطنٌ يسكن ذاكرتها اليومية، وتفيض به عيناها كلّما استعادت طفولتها، حارتها، وجيرانها.
