| المقال |
#فايز_أبو_عيد
#وجوه_الجاعونة
وُلد الحكم عبد العزيز النعيمي عام 1974 في مخيم اليرموك بدمشق، لعائلة فلسطينية لاجئة، فكان المخيم أول الأمكنة التي تعلّم فيها معنى الوطن الغائب، ومعنى أن يحمل الإنسان ذاكرته كما يحمل اسمه.
في الخامسة عشرة من عمره، أقام معرضه الفني الأول في صالة غسان كنفاني بدمشق. كان فتىً يخطو مبكراً نحو الفن، لكنه لم يكن يعرف أن الطريق الذي اختاره لن يكون مفروشاً بالألوان وحدها، وأن الريشة قد تقود صاحبها أحياناً إلى الزنازين.
عام 1990، وقبل أن يتم تعليمه الثانوي، اعتُقل الحكم النعيمي بسبب مواقفه السياسية، وقضى أربع سنوات في سجون النظام السوري. خرج من السجن، لكنه لم يخرج من قناعاته. عاد إلى التعليم والفن والثقافة، وكأن السنوات التي سُرقت من عمره لم تستطع أن تنتزع منه حقه في الحلم.
درس في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، وهناك اتسعت تجربته، وتحوّلت اللوحة في يديه إلى مساحة للأسئلة الكبرى: الموت، والعبث، والثورة، والحرية. لم يكن يرسم الأشياء كما تُرى فقط، بل كما تُحسّ، وكما تبقى في الذاكرة بعد أن يغيب أصحابها.
تنقّل فنه بين دمشق وبيروت وبرلين، وشارك في معارض فردية وجماعية، حاملاً معه ذلك العالم الذي لم يكن يستطيع الانفصال عنه؛ فلسطين، والمنفى، والإنسان المقهور، وأسئلة الحرية التي ظلت حاضرة في أعماله مثل ظل لا يغادر صاحبه.
ولم تكن اللوحة وحدها لغته. كان الحكم شاعراً أيضاً، يكتب قصيدته بلغة عميقة، ويبحث في الكلمات عن مساحات أخرى للبوح. صدرت له أعمال شعرية عدة، بينها «مرثية لسيدة الورد»، و«تخوم الوحشة»، و«خارطتي الخاصة جداً»، و«نصف الحلم كل الحقيقة»، و«أرسم للوهم نهاية».
كما ترك وراءه دراسات وأبحاثاً في الذاكرة الفلسطينية، واشتغل على شخصيات ومحطات ظلت حاضرة في وجدان شعبه، من وديع حداد إلى غسان كنفاني، وصولاً إلى مشروعه الأبرز «فلسطين: ذاكرة شعب، ذاكرة وطن»، الذي جاء في خمسة أجزاء، محاولاً أن ينقذ من النسيان ما يمكن إنقاذه من صور الناس والأحداث والأمكنة.
كان يعرف أن الشعوب التي تفقد ذاكرتها تفقد جزءاً من طريقها، لذلك لم يكتفِ بأن يكون فناناً؛ كان جامعاً للذاكرة، وحارساً لبعض تفاصيلها.
انتمى إلى اتحادي الكتّاب والفنانين التشكيليين الفلسطينيين، وظل منحازاً إلى فلسطين في كل ما كتب ورسم، كما حمل همّ الإنسان العربي، ووقف إلى جانب حق الشعب السوري في التحرر من الاستبداد والهيمنة.
في 25 نيسان/أبريل، غاب الحكم النعيمي في أحد مستشفيات مدينة ستراسبورغ الفرنسية، عن عمر ناهز 46 عاماً.
غاب الجسد، وبقيت اللوحات والكتب والوثائق، وبقيت سيرة رجل لم يتعامل مع الفن بوصفه ترفاً، ولا مع الكلمة بوصفها زينة. كان يرى أن الفنان، حين يعيش في زمن مثقل بالظلم، لا يملك ترف الوقوف على الحياد.
لهذا كانت ريشته أكثر من لون، وقصيدته أكثر من كلام، وذاكرته أكثر من أرشيف.
كان الحكم النعيمي يرسم ما يخشى الآخرون أن ينسوه، ويكتب عن الذين لا يجدون دائماً من يكتب عنهم. وفي النهاية، بقيت تجربته شاهدة على فنان اختار أن يضع موهبته في الجهة التي آمن بها؛ جهة الإنسان، والحرية، والوطن الذي لا يغيب حتى حين يغيب أهله عنه.

|
| Preview Target CNT Web Content Id |
|