تعد ظاهرة الاهتمام بتاريخ العائلة وتوثيق شجرتها في المجتمعات التي تتعرض للهجرات القسرية واجباً وطنياً يتجاوز حدود الهواية، وهو ما تتبناه مؤسسة (هوية) كفعل مقاوم ضد المشروع الاسرائيلي الساعي لإلغاء الارتباط الفلسطيني بالأرض.
وينطلق هذا المشروع الوطني من قناعة راسخة بأن الحفاظ على الذاكرة ليس مجرد استحضار للماضي، بل هو تعبير عن إرادة البقاء واستجابة واعية لتحديات المستقبل، حيث يعنى بمتابعة أصول وفروع العائلات منذ الجدود الذين ولدوا في فلسطين وصولاً إلى الأحفاد في الشتات، موثقاً تلك الجذور لحفظ حقهم التاريخي بالعودة.

بعد خمسة عشر عاماً على انطلاقتها، تواصل مؤسسة هوية – المشروع الوطني للحفاظ على جذور العائلة الفلسطينية ترسيخ موقعها كمؤسسة فلسطينية متخصصة ورائدة في مجال حفظ التاريخ العائلي الفلسطيني، والذاكرة الجماعية، والتوثيق الشفوي والوثائقي، في ظل ما تتعرض له الرواية الفلسطينية من طمس وتشويه.
خلال مسيرتها الممتدة، عملت “هوية” على تطوير مجموعة من البرامج التوثيقية المتكاملة، شكّلت في مجموعها أحد أكبر الجهود الأهلية المنظمة لحفظ تاريخ العائلات الفلسطينية داخل فلسطين وفي بلدان اللجوء والشتات.

برنامج شجرة العائلة الفلسطينية
يُعد هذا البرنامج حجر الأساس في عمل المؤسسة، حيث قامت “هوية” بجمع وتوثيق 6600 شجرة عائلة فلسطينية، اعتماداً على مقابلات ميدانية مباشرة مع العائلات، إضافة إلى الاستناد إلى الكتب والمراجع والسجلات التاريخية والأرشيفية، في محاولة علمية لإعادة وصل الأجيال بجذورها الأصلية.

برنامج أرشفة الصور العائلية
نجحت “هوية” في جمع وأرشفة أكثر من 43,000 صورة عائلية، تشمل صور العائلات الفلسطينية في بلداتها الأصلية، وصوراً نادرة لشهود النكبة، جرى تحويلها رقمياً وإتاحتها عبر المنصة الإلكترونية، بما يحفظها من الضياع ويجعلها متاحة للباحثين والمهتمين.

برنامج الوثائق التاريخية
ضمن هذا البرنامج، نشرت المؤسسة قرابة 29,000 وثيقة تاريخية نادرة تعود لعائلات فلسطينية وأرشيفات كانت مغلقة أو غير متاحة سابقاً، مع الحرص على إعادة نسخ رقمية من الوثائق إلى أصحابها الأصليين، في تجربة تجمع بين الحفظ العام والحق الفردي.

برنامج الذاكرة الشفوية
خصصت “هوية” هذا البرنامج لتوثيق شهادات شهود النكبة حصراً، حيث تجاوز عدد المقابلات الموثقة 1400 مقابلة، نُفذت غالبيتها في لبنان وسوريا والأردن، وتشكل اليوم أرشيفاً شفوياً بالغ الأهمية في حفظ الرواية الفلسطينية من الاندثار.

التوثيق والمشاركة المجتمعية
على المستوى الرقمي، تجاوز عدد المشاركين في التوثيق عبر المنصة الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي 50,000 مشارك، ما يعكس الثقة الشعبية بالمشروع واتساع دائرة الانخراط المجتمعي فيه.
بناء القدرات والتدريب
إلى جانب التوثيق، أولت “هوية” أهمية خاصة لبناء جيل جديد من الموثقين، حيث قامت بتدريب أكثر من 700 شاب وشابة على آليات التوثيق، ومصادره، وأدواته العلمية والعملية، ضمن رؤية تهدف إلى استدامة العمل التوثيقي الفلسطيني.
البرامج الميدانية والأنشطة الثقافية
نفذت المؤسسة على مدار السنوات برامج ميدانية نوعية، من أبرزها “يوم القرية الفلسطينية” كنشاط سنوي جامع، إضافة إلى سلسلة محاضرات متخصصة تستند إلى ما يتم جمعه من وثائق وشجرات عائلات وشهادات، وتسهم في إعادة تقديم التاريخ الفلسطيني من زاوية العائلة والمكان والذاكرة.
بعد خمسة عشر عاماً، تثبت “هوية” أنها ليست مجرد منصة توثيق، بل مشروع وطني معرفي يسعى إلى حماية الذاكرة الفلسطينية، وربط الأجيال بجذورها، وتوفير مادة علمية موثوقة للباحثين والمؤسسات، في مواجهة محاولات محو التاريخ وتزوير الرواية.