في الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة الفلسطينية، تواصل مؤسسة هوية نشاطها في توثيق شهادات شهود النكبة وحفظ الرواية الفلسطينية الشفوية، حيث التقى مندوب المؤسسة في الأردن، يوم الأحد الموافق 10/5/2026، بالحاج سعدي محمود أحمد حسن الكراملة، في مكان سكنه بمخيم مادبا، وهو من مواليد قرية دير إبان قضاء القدس عام 1943.
واستهل الحاج سعدي حديثه عن قريته دير إبان، مستذكراً تفاصيل الحياة فيها قبل النكبة، وقال إنه غادر قريته طفلاً خلال الهجرة عام 1948 وكان يبلغ من العمر خمس سنوات. ووصف أراضي القرية بأنها كانت خصبة ومتنوعة بين الجبال والسهول، واشتهرت بزراعة القمح والذرة والعدس، إلى جانب أشجار اللوز والعنب والصبر والتين والزيتون.
وأشار إلى وجود مطحنة للحبوب تعود لعائلة شريم، موضحاً أن منزل عائلته كان يقع في وسط القرية قرب المقبرة، وكان مبنياً من الحجر ويتألف من طابقين. كما ذكر أن والده كان يمتلك مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، وما تزال بحوزتهم أوراق “حجة الأرض” التي ورثها عن جده قبل ذهابه للمشاركة في الحرب ضمن صفوف الجيش العثماني.
وأضاف أن والده كان يمتلك شاحنة لنقل الحبوب، فيما كانت العائلة تستقبل الضيوف يومياً في مضافة جده أحمد حسن، التي شكّلت ملتقى لأهالي القرية والسمر وتبادل الأحاديث في ساعات المساء.
وتحدث الحاج سعدي عن معالم دير إبان، لافتاً إلى وجود مدرسة حتى الصف السادس الابتدائي، ومسجد أثري قديم يُعرف بالمسجد العمري، إضافة إلى آبار مياه عثمانية كانت تستخدم للشرب وسقاية المواشي وريّ المزروعات. كما أشار إلى وجود سوق قديم يُعرف بـ”سوق العمري”، كان مخصصاً لبيع الحبوب والفخار والخضار وغيرها من المنتجات، وضمّ مقهى لوالده اشتهر بتقديم الأراجيل، إلى جانب عدد من الدكاكين المنتشرة داخل القرية.
كما استذكر القرى المجاورة لدير إبان، ومنها عرتوف والبريج واشوع والسافرية وبيت نتيف، مشيراً إلى الروابط الاجتماعية القوية بين الأهالي، حيث كانت الأعراس تمتد لأسبوع كامل تتخللها السامر والدحية والدبكة الشعبية، مؤكداً أن أهالي دير إبان كانوا يتمتعون بروح التعاون والمحبة وكانوا “إيد وحدة”.
وعن أحداث الهجرة، قال الحاج سعدي إن سلطات الانتداب البريطاني كانت تعاقب كل من يحمل سلاحاً، سواء كان بندقية أو حتى سيفاً، مضيفاً أن البريطانيين انسحبوا من معسكراتهم وتركوا الأسلحة والدبابات، ما سهّل سيطرة العصابات الصهيونية على البلاد. وأوضح أن كل عشيرة كانت تمتلك بندقية واحدة تُعرف باسم “برن”، وأن عدد البنادق في القرية لم يتجاوز أربع بنادق فقط.
وأضاف أنه عندما تعرضت القرية للهجوم، خرج الأهالي للدفاع عنها بالعصي والسيوف، واستشهد عدد من أبناء القرية، من بينهم ابن عمه عبد العزيز. كما روى أن أحد سكان القرية هاجم الجنود اليهود بسيفه وتمكن من قتل ثلاثة منهم قبل أن يستشهد رحمه الله.
وأشار إلى أن الأهالي اضطروا لمغادرة القرية خوفاً من القتل، حيث نزحت عائلته أولاً إلى الخليل لمدة ستة أشهر، ثم إلى أريحا لشهرين، قبل أن تستقر أخيراً في الأردن داخل مخيم مادبا. وأضاف أنه أكمل تعليمه حتى الصف السادس الابتدائي.
وفي ختام حديثه، عبّر الحاج سعدي عن شوقه العميق للعودة إلى مسقط رأسه دير إبان، وقال وهو يجهش بالبكاء: “يا ريت أرجع على دير إبان، والله برجع حافي، ما بتروح عن بالي، وبحلم فيها كل ليلة… فلسطين أرض الشهداء”.
#النكبة_78
#انتماء
