في قلب مخيم النصيرات، كان منزل عائلة يونس أكثر من مجرد بيت.
كان ذاكرة عائلة كاملة، ومكانًا اجتمع فيه التعب، والعلم، والضحكات القديمة، وأحلام أجيال خرج منها الأطباء والمهندسون والمعلمون وأصحاب المهن الذين حملوا اسم العائلة بكرامةٍ وكفاح.
ذلك المنزل الذي بُني بعد رحلة التهجير من أسدود، ظلّ واقفًا لعقود، يواجه قسوة اللجوء والحصار والحياة الصعبة، وكأنه يتعلّم كل يوم كيف يحمي من بداخله.
لكن الحرب الأخيرة على غزة غيّرت كل شيء.
في الأشهر الأولى من الحرب، تعرّض منزل العائلة لقصفٍ مباشر.
لم يكن الانفجار مجرد صوتٍ عابر؛ كان لحظة انكسارٍ كبيرة غيّرت ملامح المكان والعائلة معًا.
رحل من رحل من أفراد العائلة، وامتلأت الجدران التي عرفت الفرح يومًا بأصوات البكاء والذهول والدعاء.
ومنذ تلك اللحظة، لم تعد الأيام أيامًا عادية.
مرّت سنتان بين القصف الأول والثاني، لكنها لم تكن سنتين من الزمن الطبيعي؛
كانت ليالي طويلة من الخوف، وأيامًا ثقيلة من الفقد، ومحاولاتٍ مستمرة لترميم ما لا يمكن ترميمه.
كان البيت يعيش على ذاكرة الذين رحلوا، بينما تحاول العائلة أن تتشبث بما تبقّى من الحياة.
وفي مرةٍ أخرى، عاد القصف المباشر إلى المنزل ذاته.
كأن الحرب تعرف الطريق جيدًا.
سقطت أجزاء جديدة من البيت، ورحل عددٌ آخر من الضحايا، لتتحول الجدران التي احتمت بها العائلة يومًا إلى شاهدٍ صامت على حجم الألم الذي مرّ فوق هذا المكان.
لم يكن القصف الثاني مجرد تكرار للمأساة؛
بل كان امتدادًا لوجعٍ لم يلتئم أصلًا.
بين الضربة الأولى والثانية، كانت هناك حكايات لا تُروى بسهولة:
أمهات ينتظرن أبناءً لن يعودوا، وغرف بقيت مغلقة كما تركها أصحابها، وصور معلّقة تحوّلت إلى ما يشبه الذاكرة الحيّة داخل البيت.
ورغم كل ذلك، بقي اسم عائلة يونس حاضرًا كحكاية صمود لا تنتهي.
فالعائلات التي تعلّمت منذ النكبة كيف تبدأ من الركام، تعرف أن البيوت قد تُهدَم… لكن الكرامة لا تسقط، والذاكرة لا تموت.